تحترق الـ. أوجه بالشـ. شمس وتبلى
فاعلتن فاعلتن فاعلتن فا
ولم نسمع «بفاعلتن» هذه وحتى لو فرضنا وجودها فهي ليست مما يسمح به الشعر الحر الذي يرى من العيوب الخروج على وحدة التفعيلة، لان هذا الخروج معناه فقدان مبررات البعد عن نظام التفاعيل في البيت العربي القديم، وفي المطلع حيث يبتدئ هكذا:
صاعدا ...
صاعدا في أكمة
والعتمة
فقد بقيت التفعيلة (فاعلاتن) هذا فاعلا ... إلا إذا تصورنا أن النقط تقابل ما بقي من التفعيلة أو تقوم مقام «في» التي سيكسبها تكرار الكلمة التي قبلها (صاعدا) صفة الانقطاع والاختناق، ومثل هذا نلحظه في كثير من نماذج هذا الاتجاه، والذي نقوله لهؤلاء، عليكم أن تدركوا أولا وقبل كل شيء أن الشعر الحر ليس تحررا نهائيا من كل قيد، وإنما هو تصرف في اختيار التفعيلات القديمة تقتضيه مختلف المعاني التي تزخر بها قريحة الشاعر.
وفقدان الانسجام الموسيقي في القصيدة يخرجها عن نطاق الشعر الذي لا نتصوره بدون ذلك الانسجام، وليس عليهم إلا أن يتتبعوا حركة هذا الشعر بدهنية متفتحة عند رواده الواعين الذين لا يعجزهم أن ينتجوا شعرا على الطراز التقليدي لا عند أولائك الذين يتحللون من كل قيد، ويضربون على غير هدى، وليسوا أبدا بقادرين على إنتاج سعر من الطراز الأول ...
بعد هذا العرض الطويل نعود فتثير نفس الأسئلة التي كنا أثرناها في أول مقال من هذه الدراسة، هل كانت نشأة الشعر المغربي الحديث سليمة أم كسيحة؟ وإذا كانت واحدة منهما فما السبب في ذلك؟ ما هي العوامل التي تضافرت لجعله على هذه الحالة أو تلك؟ وهل هناك خصائص تميز الشعر المغربي عن غيره؟ وما مدى تأثر شعرائنا بزملائهم في الشرق العربي؟ وما موقفهم إزاء موجة التحرر الشعري في الشرق؟ وما مدى تجاوب شعرائنا مع الأحداث والرجات الاجتماعية في الداخل والخارج؟ وسنحاول الإجابة عنها هنا بشيء من الاختصار على ضوء العرض السابق.
لم تكن نشأة الشعر المغربي المعاصر سليمة على العموم، وذلك في نظري راجع إلى عامل أساسي هو ضعف حركة النشر في المغرب، فالمجلات المغربية التي ظهرت قليلة إذا قورنت بما كانت تصدره بعض الأقطار العربية من مجلات شهرية وأسبوعية، ثم أنها على قلتها لم تكن تستطيع أن تواصل سيرتها دائما، فكثيرا ما كانت تحتجب لسبب مادي، أو لإلقاء القبض على مصدريها والمشرفين عليها، لذلك تبقى نشأة الشعر عندنا مرتبطة بحركة النشر، فعندما تزدهر هذه الحركة يزدهر ويترعرع.
ولا تكاد هذه الحركة تصاب بشلل حتى يكون ذلك من أهم عوامل كساحته، والأدب بجميع فنونه لا يزدهر إلا بازدهار حركة النشر، فإذا أصيبت هذه بركود كان معنى ذلك ركود الأدب، وغنى عن البيان أن حركة النشر مرتبطة بتوافر القراء، ومدى انتشار الثقافة في الأمة.
والواقع أنه من الصعوبة بمكان، أن نجد للشعر المغربي خصائص تميزه عن غيره، لأنه على العموم ينزع إلى التأثر بمختلف التيارات الشعرية في الشرق وأن كان أكثر تشبثا بالأسس القديمة لروح القصيدة عند أكثرية شعرائنا، وهذا يعني أن موقف الكثير منهم إزاء موجة التحرر الشعري بالشرق موقف تنقصه الحماسة وحسن الاستعداد، وهو موقف ناسف له حقا، لان تطوير الشعر العربي وتجديد أداته أمران ضروريان تقتضيهما متطلبات العصر المعقدة والبيئة الجديدة التي يحياها الشعراء، غير أن هذا التطوير وذلك التجديد يجب أن يكونا في دائرة لا يفقد معها كل مميزاته كشعر عربي أولا وأخيرا، وألا فستكون جناية عليه وإجهازا على الروح العربية فيه، ولن تستطيع الاحتفاظ بهذه الروح لمجرد استعمال اللغة العربية كأداة للتعبير فيه، بل لابد من الاعتماد على تفاعيل ليست غريبة على الشعر والذوق العربيين، ومن حسن الحظ فإن بعض تفاعيل الأوزان العربية تساعد على التطوير بشكل يذلل تلك الصعوبة التي تنشأ عن تعدد تفاعيل البحور، لكن أكثرية الذين يتوفرون على الحماسة لهذا التطوير عندنا تنقصهم الخبرة بالأوزان العربية وما تنطوي عليه من إمكانيات ثرة يستطيع الشاعر الخبير بها استغلالها لمصالح تجديد الشعر وتطويره، وعندما يقبل الفريق الأول مبدأ هذا التطوير، وعندما يدرك الفريق الثاني أن التجديد ليس معناه التحلل من كل القيود ولو كان ذلك على حساب