فليرجعوا عما أتوه ويعلموا *** أنا نهضنا نجمع الأجزاء
ولتجف أطياف الرقاد عيونهم *** أن آثروا غير السلام لقاء
وعبد الكريم بن ثابت في «ليل والصباح» التي لم نستفد من نشرها في «دعوة الحق» إلا بيتين كانت الرقابة حذفتهما من رسالة المغرب العدد السابع من السنة السابعة، وهما:
ونادى المنادي الكفاح الكفاح *** وداووا به يأسكم تسلموا
فما من سلام وما من نجاح *** بغير الجهاد فلا تسأموا
ولم تكد «دعوة الحق» تدخل سنتها الثانية حتى كانت قد استطاعت أن تجمع من حولها كثيرا من ذوي الأفلام اللامعة والكفاءات الناشئة على السواء، وأصبح نصيب الأدب فيها غير مغبون، ورأينا الشاعر المختار السوسي يفيض علينا من قصائده التي تسجل بعض فترات الكفاح الوطني، كما رأينا الشاعر عبد الرحمن الدكالي يسارع إلى نشر إنتاجه، وعاد إلينا صاحب «أحلام الفجر» الشاعر عبد القادر حسن الذي أسفنا كثيرا لصمته الطويل، وأتاحت لنا هذه المجلة أن نقرأ لشعراء يضربون في مجاهل الاتجاه الجديد في الشعر، هذا الاتجاه الذي نعتقد أنه لم يستطع أن يرسخ قدمه إلا عند شعراء قليلين في الشرق، من مثل نزار قباني وشاكر السياب، ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وكاظم جواد، وهم يعالجون هذه التجربة عن وعي عميق بها، محاذرين الانزلاق إلى ما وقع فيه غيرهم كثير، من فوضى في النغم الموسيقي، وتقعر وإسفاف مضحك أحيانا، ويمثل هذا الاتجاه عندنا مصطفى المعداوي، ومحمد الطنجاوي، وأحمد البقالي، وأحمد المجاطي، ويصعب علينا جدا أن نعترف بنضوج جميع محاولات هؤلاء، وان كنا لا نفقد بعض النماذج التي تدعو إلى بعض التفاؤل والذي يمكن أن نعيبه على بعض هؤلاء، هو فقدان شخصياتهم في أكثر ما ينتجون، فالمعداوي مثلا في قصيدة «أقول» نحس بتقمصه لروح نزار قباني، ومن ثم كانت قصيدة طبعة ثانية لنفثات نزار ... إننا بحاجة إلى روح المعداوي وتجربته هو نفسه، وطابعه الشخصي في تلميع الكلمات وتنجيزيها ليستطيع أن يثير إعجابنا، وما على القراء ليدركوا صدق ما ندعي إلا أن يقراوا القصيدة التي نسوق منها هذا المقطع:
أنسيت، هلا تذكرين؟ 7
في ليلة العيد السعيد
في ليلة البعث الجديد
كان الرفاق يدندنون كنت أبدو متعبا
فجذبتني وهمست لي لحنا لدي محببا
وعيونك الزرقاء كانت للسماء
مرفوعة تخفي البكاء
وأنا مصيخ والدموع
حرى تتأثر في خشوع
كما نعيب هذه الفوضى في الوزن، لان الشعر الحر عند رواده الواعين لا يعني أبدا التحلل من كل وزن وقيد، وإنما هو التماس أوزان مطواعة أن لم نعتمد على كامل البحر أو مجزوئه أو مشطوره أو منهوكه، فهي تعتمد على تفعيلات ليست غريبة على الشعر العربي، وان كانت غير منوعة لتكون أكثر طواعية، ومن مجموعها يتكون ما أسمته نازك الملائكة بالتشكيلات المنسجمة.
فالطنجاوي مثلا نراه في قصيدة «على الحدود» 8 يقع في أخطاء عروضية لا يسمح بها حتى الشعر الحر نفسه، فالذي يفهم لأول مرة أن الشاعر اختار لقصيدته مجزؤ الرمل، ويعتمد عليه كثيرا من التشكيلات التي تخرج تفعيلتها عن نطاق التفعيلة المختارة، ولنسق هذه التشكيلة:
تحترق الأوجه بالشمس وتبلى
ولا يمكن لنا وزنها إلا إذ صح لنا أن نحول «فاعلاتن» لا إلى «فعلاتن» ولكن إلى «فاعلتن» فيكون وزن التشكيلة هكذا:
7) دعوة الحق عدد 11 السنة الأولى
8) نفس المجلة عدد 5 السنة الثانية