تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدعائية التي تتوفر عليها مصالح الحكومة الجزائرية محدودة، كما أنها تعود أيضا إلى ضيق النضال الدولي الرسمي، الذي تتهيأ أسبابه للديبلوماسية الجزائرية في وضعها الراهن.

وعلى هذا فإنه يبدو من الضروري أن تتبنى المصالح الخارجية العربية (في جو من التناسق والانسجام) مسؤولية ملء جوانب الفراغ الدولي الذي قد لا تتوافر أسباب مواجهته لحكومة السيد فرحات، وذلك بالطبع ضمن إطار التعاون مع وزارة الخارجية الجزائرية ومع مصالح وزارة الأنباء التابعة للحكومة المؤقتة الحالية، ومن الواضح أن بوادر تعاون عربي من هذا الصنف قد تفضي - في حالة نجاحها - إلى بعض النتائج الايجابية، وخاصة بالنسبة للقطاعات الدولية غير التوسعية كمنطقة شمال أوربا (دول البلطيق) وأميركا الجنوبية وغيرها.

وعلى كل حال فإن الرئيس فرحات لا يزال يوالي نشاطه الدائب في سبيل توسيع المجال الدولي والعالمي للقضية الجزائرية، وقد قام في غضون الشهر المنصرم بزيارة هامة جدا ليوغسلافيا لأريب أنها أسفرت عن كثير من الفوائد السياسية والدعائية الناجحة.

ولا ينبغي أن ننسى في هذا المجال المضمون السياسي للاستقبال الذي خصصته بلغراد للرئيس الجزائري، فإن ذلك لم يكن إلا تجسيما لما توليه الحكومة الشعبية اليوغسلافية من اعتبار لصفة الرئيس السياسية.

على أن البلاغ المشترك الذي انبثق عن المحادثات الجزائرية اليوغوسلافية - تلك التي تمت بين الرئيسين الكبيرين - كان في محتواه القانوني والسياسي أهم مما تقدم بكثير، وإذا وضعنا في الاعتبار مدى الأهمية التي تنطوي عليها مضامينه أدركنا مغزى التأثير العميق الذي خلفه في مختلف الأوساط السياسية بفرنسا وغيرها، ومن بين أهم هذه المضامين التي لها دلالتها:

1) الإشارة المتكررة إلى الحكومة الجزائرية وتقدير القوة التمثيلية التي تتوفر عليها.

2) اعتبار صفة السيد فرحات الرئاسية.

3) الاعتراف بان التفاوض مع الحكومة الجزائرية يشكل الأساس الوحيد لإنهاء وجود المشكلة القائمة.

4) تأكيد العزم على استمرار الإعانة اليوغسلافية للشعب الجزائري.

ولهذا فقد كان حتميا أن تشن الحكومة الفرنسية حملات صاخبة على هذه الزيارة التي كانت مرحلة من مراحل انتصار القضية الجزائرية في المجال الدولي، ولم تكن الحملة موجهة بالطبع ضد تلك الزيارة بالذات، بل أنها كانت - على التأكيد - رد فعل حتمته ظروف النجاح السياسي الذي تسفر عنه عادة رحلات الرئيس فرحات إلى مختلف القطاعات الدولية والعالمية.

أما مظاهر هذا النجاح فتتجسد فيما يلي:

1) إحباط المشاريع الديبلوماسية الموجهة لعزل الحكومة الجزائرية على الصعيد الدولي.

2) النجاح في إقناع الحكومات والجماهير بعدالة القضية ومشروعيتها.

3) إمكانية استدراج بعض الأقطار إلى الاعتراف الشرعي بحكومة الرئيس فرحات.

4) تأثير ذلك على الوضع السيكولوجي داخل الجزائر.

على أن المسؤولين الفرنسيين، وان كانوا لم يخطئوا كثيرا في تقدير هذه الاعتبارات السياسية الناشئة عن الاتصالات اليوغسلافية الجزائرية، فإنهم - مع ذلك - لا يزالون يتورطون في اعتبار القمع الوسيلة المثلى للحد من فاعلية النضال السياسي والوطني الجزائري، ومما يضاعف من خطورة الأمر إصرار المسؤولين الفرنسيين على إيثار هذه الطريقة والاعتماد عليها إلى أبعد الحدود الممكنة، ومن صور ذلك نشوء نظام مراكز التجميع، تلك التي أضحت تجسم أخطر فصول المأساة الجزائرية وأكثرها شناعة وهو لا، والواقع أن هذه المراكز لا تزال تثير في كثير من الضمائر الواعية هنا وهناك المزيد من المشاعر القاتمة والانتفاضات الوجدانية العنيفة.

وقد أكدت التقارير الصحفية الفرنسية شبه الرسمية بأن ما يناهز ربع مليون قد أجبروا منذ سنة 1957 - بالأخص- على مغادرة مآويهم الخاصة، وذلك تحت تأثير الأساليب التي تعتمدها الإدارة الفرنسية في مثل هذه الأحوال. ويعيش هذا العدد الضخم من المجمعين في أوضاع متباينة ومختلفة، إلا أن القاسم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٠٠