تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المشترك بين هذه الأوضاع هم ما تتميز به من شذوذ وما تنفرد به من غرابة، ويوجد نحو المليون من هؤلاء على الأخص وهم يجترون حياة كاسفة داخل مركز للتجمع منبثة في مختلف أرجاء القطر.

وبالرغم مما تثيره هذه المراكز من ردود فعل عنيفة في مختلف الأوساط والمحافل، فإن المسؤولين الفرنسيين - مع ذلك - لم يبدوا من الاستعداد ما يوحي بإمكانية إنهاء مثل هذه الأوضاع الناشرة، ويزداد ذلك وضوحا عندما ندرك أن القيادة الفرنسية تعتبر نظام التجمع هذا ضرورة أساسية وأكيدة لإمكانية استمرار قدرتها على مواجهة الموقف العسكري الدقيق بالجزائر، فالقوات الوطنية - كما يرى على المسؤولون الفرنسيون - مع ذلك - لم يبدو من الاستعداد ما يوحي بإمكانية إنهاء مثل هذه الأوضاع الناشرة، ويزداد ذلك وضوحا عندما ندرك أن القيادة الفرنسية تعتبر نظام التجمع هذا ضرورة أساسية وأكيدة لإمكانية استمرار قدرتها على مواجهة الموقف العسكري الدقيق بالجزائر، فالقوات الوطنية - كما يرى المسؤولون الفرنسيون - تعتمد في استعداد طاقتها المادية على مؤازرة السكان غير الحضريين، ولهذا فانه من الضروري - بالنتيجة - حجز مصدر هذا الاستعداد عن طريق الإجلاء الفعلي لسكان الأرياف، وحشدهم داخل مراكز التجميع التي تتم مراقبتها بصورة دقيقة ومنظمة، ويرى الاستراتيجيون الفرنسيون - كما يلوح - انه ذلك قد يكون من نتائجه التوصل إلى النتائج التالية:

1) عزل القوات الوطنية عن مصادر التزويد الأساسية.

2) الحيلولة دون تأثر السكان بالمزيد من الدعوة الوطنية والجهادية.

3) إمكانية اصطناع الأنصار من بين المجمعين.

4) احتمال استخدام هؤلاء الأنصار عند الاقتضاء وذلك بعد أن يتم تنظيمهم ضمن كتائب مطاردة خاصة.

وعلى ضوء هذه التقريرات فانه كان مقترضا أن يلعب هذا النظام دورا هاما في تعديل الوجه السياسي والعسكري للأوضاع في الجزائر، ولكن الواقع كان صورة مناقضة لكل ذلك، فمراكز التجميع لم يكن لها أن تضم في الواقع وفي غالب الأمر إلا العناصر العاجزة من السكان، ولهذا فقد بدا من العسير أن تفضي إلى النتائج المختلفة التي كان يتوخاها منها المسؤولون الفرنسيون، بل انهال على النقيض من ذلك أضحت بالإضافة إلى سلبية نتائجها العسكرية، عبثا باهظا يثقل هؤلاء المسؤولين بكثير من التبعات المادية والتنظيمية والنفسانية.

على أنه بالرغم عن المصاعب الناشئة عن «نظام التجميع» فإن الحكومة الفرنسية مع ذلك لم تتردد في الأقدام على اتخاذ بادرة مسرحية مثيرة لم تكن متوقعة كثيرا، ذلك عندما أعربت أخيرا عن الرغبة في) تخويلها حق الإشراف على اللاجئين الجزائريين بتونس والمغرب بما في ذلك إكراههم على العودة للجزائر!. وقد استشارت هذه المطالبة كثيرا من مظاهر الامتعاض والاستهجان في المحافل الرسمية وغير الرسمية بالقطرين المعنيين، وقد ضاعفت من حدة الاستغراب أن البادرة الفرنسية كانت تكتسي صبغة الرد على ما يتم في مصالح الأمم المتحدة من محاولات لإسعاف هؤلاء اللاجئين وتقديم العون الدولي إليهم.

غير أن المنظمة الأممية بالذات كانت - في واقع الأمر- من بين العوامل الرئيسية التي حدت بالمسؤولين الفرنسيين إلى الإعراب عن مطالبات علنية من هذا النوع.

فقد بدا يدنو بالفعل الموعد السنوي لانعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة، ومما لا يلابسه الريب أن القضية الجزائرية ستكون من أبرز الفصول الأساسية التي سيتشكل منها الجدول الرسمي العام، ومن الجلي أن الحكومة الفرنسية تدرك سلفا مدى ما يمكن أن يكون هناك من تأثير على الرأي العام الدولي نتيجة للأوضاع الناشزة التي تلابس حياة اللاجئين والظروف القائمة التي تكتنف وجودهم، وقد غدا متأكدا أكثر من أي وقت مضى أن القضية قد تتخذ - على الصعيد الدولي وفي الأمم المتحدة بالأخص - أساسا لحملات سياسية مركزة، تمتد على كثير من الاعتبارات الإنسانية والسياسية والاجتماعية، ولهذا فقد كان موضوع اللاجئين دائما محط عناية كبيرة من جانب المسؤولين الفرنسيين وذلك في سبيل الوصول إلى تصفية وجودهم بما يتفق ووجهات النظر التي يتبناها الغلاة.

وقد اجتازت المساعي الفرنسية - في هذا المقام - مراحل كثيرة كان من بينها:

1) تجنيد الشعور العام ضد وجودهم، وذلك عن طريق الوقيعة السياسية المحبوكة، ومن أمثلة ذلك: الإيحاء بأن اللاجئين قد يتخذون أداة لتحقيق أهداف الحركة اليوسفية المحظورة في تونس.

2) العمل على مضاعفة المصاعب المادية والتنظيمية الناشئة عن استمرار حالتهم المعقدة (مقاومة بوادر الإعانة الدولية أو غيرها).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٠١