تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد تضاعفت - بالفعل - عند مختلف المحافل السياسية الدولية التخوفات والارتيابات من إمكانية استمرار الحرب في الجزائر، مع ما يمكن أن يفضي إليه هذا الاستمرار من نتائج مهولة، وتزداد نسبة هذه التخوفات عند الأوساط الغربية بقدر ما يزداد الصراع إساءة إلى الحظوظ التي يتوفر عليها الغرب المنطقة، ومما يزيد في حده هذه المشاعر القلقة شعور الكثيرين بأن الحل العسكري الذي يتبناه الغلاة لا يقوى - في شيء - على فض المشكلة المعقدة القائمة، وقد عبرت عن هذه الحقيقة البديهة «الساندي تايمس» وذلك عندما أكدت بأن «الحل العسكري لا يمكن أن يرادف الانتصار الحربي .. » كما أعربت عن ذلك أيضا جريدة «التايمس» حينما أشارت إلى «أن المعجزة التي كان ينتظرها الكثيرون منذ سنة لم تتحقق مطلقا، قانون الحرب لا يزال مضطربا بالجزائر، وان هناك ما يناهز الأربعمائة ألف جندي - بما فيهم الكثير من الشباب - لا يزالون يواجهون المعركة في مختلف نواحي القطر، بينما لم يلاحظ وجود أي تخفيف في الأعباء المالية الباهظة، التي رسيء كثيرا إلى الاقتصاد الفرنسي والتي هي نتيجة حتمية لاستمرار الحرب، هذا في الوقت الذي تتدهور فيه حظوظ فرنسا تدهورا ملحوظا .. »

أما «لا كازيت دولوزان» فقد أمكنها أن تلاحظ هي بدورها ما يعتقده الكثيرون من «عجز الجنرال دوكول عن العثور على منفذ للخروج من المأزق في الجزائر ... »

والحق أن لهذه الأحاسيس من القلق ما يبررها فالمشكلة الجزائرية توجد في الواقع أكبر من عقبة كأداة في سبيل أي تفاهم إفريقي - غربي؛ كما أنها تسهم - باستمرار - في تدمير إمكانيات استغلال الثروات الطبيعية الصحراوية، بالإضافة إلى ما تشكله من أخطار تتهدد وحدة حلف شمال الأطلسي نتيجة لما يحدثه من استمرارها من انعكاسات متباينة على مختلف أعضاء الحلف، هذا علاوة على ما تخلقه بين الغرب والعالم العربي من عوامل العداء المستحكم، الذي يقوم كعامل مضاد لكل الاحتمالات التقاربية والتعاونية بين الجانبين.

ومما يضاعف من حدة المشكلة أنها - بالإضافة إلى قضايا جنوب الجزيرة العربية- تكاد تكون النقطة الرئيسية التي يستمر على أساسها الخلاف بين الديموقراطيات الغربية من جهة وبين الأقطار العربية من جهة أخرى.

ومن المنطق أن تكون لهذه الحقائق آثار نسبية على تفكير المسؤولين في كثير من العواصم الغربية، إلا أن وضعية فرنسا داخل نظام الدفاع الغربي، لم تكن لتساعد على ظهور اختلافات بارزة في وجهات النظر حول الموضوع، ولكن الأمر- مع ذلك - يستأثر في الولايات المتحدة بكثير من الاهتمام المشوب بمشاعر الحذر والقلق، وقد كانت الدورة الآخرة للأمم المتحدة مناسبة هامة انعكس عليها جانب من هذه المشاعر التي تزداد حدتها باطراد، فقد امتنع المندوب الأمريكي -لأول مرة -عن التصويت لصالح وجهة النظر الفرنسية، بعد أن كان يساندها في جميع الدورات السابقة. ولم يكن للحادث أن يمر دون أن يخلف أصداء عميقة في أوساط الغلاة، وقد ذهب البعض منهم إلى حد اتهام السياسة الأمريكية بالعمل ضد مصالح فرنسا، ومستقبل «نفوذها» بمنطقة الشمال الأفريقي عامة.

على أن مشاعر «التأفف» الأمريكية هذه ليست إلا شيئا بسيطا جدا بالنسبة لآثار العميقة التي تخلفها المأساة الجزائرية في أوساط الرأي العام الدولي غير الأطلسي، وإذا كانت الكثير من الوحدات التي يتشكل منها هذا الرأي لم تقدم لحد الآن على الاعتراف الشرعي بالحكومة الجزائرية، فذلك لا يعكس - بالطبع - وكما سبق أن لحظناه- شعورا بعدم مشروعية القضية التي تجسمها هذه الحكومة، بل هو ناشئ - في كثير من جوانبه - عن اعتبارات سياسية مؤقتة، على أن هذه الاعتبارات نفسها لم تحل بين كثير من البلاد وبين التعبير عن المساندة السياسية والمادية لنضال الشعب الجزائري، ومن بين هذه البلاد ما ينتسب إلى القطاع الدولي للحياد الإيجابي، كما أن من بينها ما ينتسب إلى منطقة جنوب شرقي أسيا، أو الكتلة الاشتراكية أو غيرها.

بيد أنه من الحق الاعتراف بأن هذه الألوان من المساندة التي تمنحها البلاد المناصرة لا تعدو - في كثير من الحالات - نطاق المواساة والعطف السلبي، ولم تتخذ بعد أشكالا سياسية، دولية بعيدة المدى والفعالية.

وتلك ظاهرة سياسية غير سارة بالطبع، أما تبريرها فيؤول - حسب ما يبدو- إلى كون الوسائل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٩٩