أمثاله ممن فعل بهم ما يوشك أن يفعل به .. أي شيء، إلا أن ينظر إليه شررا ثم يأتي على لحيته في كثير من الخشونة والاستخفاف.
واعترى السيد (زين الدين) وهو يغادر دكان الحلاق، نفس الشعور الذي يمكن أن يعتري المرء إذا خرج إلى الشارع دون سراويل.
ولكن منظرا لاح لعينيه أنساه شعوره ونفسه كذلك منظر جسد هائل يترجرج، فتتلقاه الجلباب هنا وتنساب عنه هناك، جسد يترجرج بطبية تركيبه، وبما يصطك من أطرافه التي ليس بينها فراغ تضطرب فيه، ولكن صاحبته إذا لم تكن لها حيلة في تلافي رجرجته، فان لها أن تصمت هذا الرنين الذي يمشي معها كما يمشي مع البقرة رنين الناقوس؛ فقد كانت الحلي التي تغطي صدرها إلى البطن، والدمالج التي تواري معصميها إلى المرفقين، تهتز باهتزاز جسدها فتترك خشخشة وصليلا، وكانت المترجرجة على بدانتها تحاول أن تبدو رشيقة ولطيفة، فهي تصر على أن يكون حذاؤها صغيرا دقيقا في حين يصر الواقع على أن تكون قدمها كبيرة غليظة لا يكاد يسع منها الحذاء إلا المشط، وهي تتصنع النشاط والخفة والصبا، فتجاهد أن تكبت بهرها وتقيم قدها، ولكن هذا القد لا يلبث أن يقض تحت لحمه وشحمه فتعود الأطراف إلى اهتزازها واصطكاكها. وكان وجه المترجرجة ينطق بالبأس واليأس اللذين نعانيهما صاحبته في مجاهدة البدانة ومدافعة الكهولة، فقد كان وجهها كجرة حمراء ترشح بالماء.
ومن دون شعور تحسس السيد (زين الدين) مكان لحيته التي ذهبت ضحية الغش والخداع.
ما من شك في أن هذه المترجرجة .. هذه المتجليبة .. هذه العتيقة .. هذه الأنثى المعدنية .. هي الآنسة ماما ... ماما التقدمية التي استحسنت هندامه وارتاعت من لحيته .. !
وراعه أن يمهر زوجة بكل هذا الهوان، وأحس بالشعور إلى العزاء، فراج يمني نفسه بالا تكون هذه المترجرجة خطيبته، وان يكون قد أخطأ في تبينها.
وتبعها من حيث لا تشعر، فكان أن انتهت إلى قصر الهدار، وتوارت فيه كما تتوارى في النفق القاطرة!
ومن عجب أن السيد (زين الدين) آنس الآن فقط حركة غير عادية بباب القصر، صباحا وصهيلا ونهيقا وأكياسا تلقى وهشيما بذروه الهواء.
ولم يكن السيد (زين الدين) في حاجة إلى ذكاء كبير ليدرك أن هذه الأحمال الكثيرة إنما هي غلال القمح حملت إلى الحاج الهدار من ضياعه الكثيرة .. ضياع كثيرة جدا ليست هذه الأحمال إلا لباب محاصيلها، وهذا اللباب نفسه سينفي ويطحن ويغربل ويصفى ويفعل به غير هذا مما يحيله إلى خبز في بياض القطن ونعومة الحرير.
وتحسس السيد زين الدين دقنه الناعم، غير آسف على لحيته التي اشترى بها عيشا ناعما لا خشونة فيه.