تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومروءة، وقد رأى مع ذلك أن يستشيرني أنا شقيق ماما، لان أمرها يعنيني، وسعادتها تهمني ... ولست أستطيع أن أرد شيئا قبله سيدي الوالد ولكن ...

ووجد السيد (زين الدين) نفسه يقول مرتاعا:

- ولكن ماذا .. يا (سيدي الغالي)؟

- أريد أن أقول: أن «ماما» ليست مسرورة كثيرا.

وماذا يسعني أن أصنع لتكون سيدتي العزيزة مسرورة جدا، قل لي، إنني لا أضن بأي شيء أقدر عليه من أجلها!

وحاول السيد (زين الدين) وقد قال هذا الكلام الذي غبط نفسه عليه أن يستطلع أثره على وجه ماما، ولكن وجه ماما كان يغرق في عرق الخجل وراء مروحيتها.

أما السيد العالي فقد أجاب بوقاحة متناهية:

ليست تريد منك الآنسة ماما إلا أن تكون ابن عصرك هذا الذي تعيش فيه، أن تكون ندا لها في الرقي والتقدمية، أن تتخفف من هذه الأحمال التي يرزح تحتها عود شبابك، أن تجز- وأشار إلى لحيته- هذه الفروة التي رعت بها الآنسة.

وحاول السيد زين الدين أن يحمل نفسه على الغضب لكرامته المجروحة، ولكن نفسه كانت قد فتنت بالآنسة ماما، ونزعت إلى ظلها المديد.

والواقع أن السيد (زين الدين) كان يتوقع أن تكون شروط (سيد الغالي) ادخل في باب الإعجاز من خلع الجلاليب وحلق اللحي، أما وهي لا تعدوا هذين الأمرين اللذين سبقهما إليه كثير من زملائه دون مقابل من زوجة نافعة ومصاهرة مجدية؛ فما أجدره أن يفعلهما.

وكان الجواب الطبيعي للسيد (زين الدين) وقد رضى بشروط صهره المنتظر، أن يقول:

- نعم أنا راضي بخلع جلابيبي وحلق لحيتي

غير أنه رأى أن يتفادى هذا الجواب بتعبير آخر يكون له معناه ولا تكون له سماحته.

ولكن (سيد الغالي) قرأ فكره، فأعفاه من البحث عن التعبير المنشود، بأن مد إليه يده قائلا في حزم

- إذن أنت موافق، وهذا يدل على أنك تحب (ماما) وتتحرى رضاها، فأرجوا أن تتصل بوالدي لتتفقا على موعد كتب الكتاب.

وحين خرج السيد (زين الدين) إلى الفضاء الرحب، عراه ما يشبه الندم على ضعفه أمام (سيد العالي) ووعده له بتنفيذ شروطه المزرية، فرأى أن يستشير صديقه السيد منير قبل أن يخطو خطوة قد يندم عليها.

وحين بسط الأمر للسيد منير كان من رأيه أن شقيق (ماما) مبالغ في تقدير حياتها التقدمية ومزاجها الرقيق.

ولكن السيد منير ما لبث أن سال زميله في جد و صراحة:

وماذا تنوي أن تصنع؟

- وماذا كنت تصنع أنت لو كنت مكاني؟

فأومأ السيد منير بيده إلى لحيته يحكي حركة الموسى.

*

وعلى غير ما هو معهود في الحلاقين، كان الحلاق الذي ذهب إليه السيد (زين الدين) في صمت الخرس وأناة الفلاسفة، مما أحرج السيد (زين الدين) وزاد من خجله، وضاعف شعوره بالوقت الذي استسلم فيه ليد الحلاق.

وقد تنازل السيد (زين الدين) أكثر من مرة عن دوره لغيره من الزبائن الذين كانوا يشاركونه في الانتظار، لأنه كان يأمل أن ينتهي به الأمر إلى الإنفراد بالحلاق، ولأنه أيضا كان يهاب الساعة الحاسمة فيعمل ما استطاع على تأخيرها.

وحين أزفت هذه الساعة وأشار له الحلاق إلى الكرسي، تعثر وكاد أن يسقط في طريقه إليه.

وبكثير من الجهد، استطاع أن يفهم الحلاق بكلام لم يع هو نفسه منه حرفا واحدا، أن الطبيب نصحه بحلق لحيته!

وكان من المنتظر أن يقول الحلاق شيئا .. أي شيء، أن يطري نصيحة الطبيب، أو يواسي زبونه في لحيته التي توشك أن تعدم، أو يشعره بأن الحلق أنسب بوجهه الوسيم وشبابه الغض، أو يعدد له أسماء

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٨٥