هم يتثاءبون في سام وملل، وقد علق بأقدامهم الحافية ما تلفظه الحشايا من نتف الحلفاء والخرق البالية، وحولهم أطباق من القصدير تلمع بما لم تقو ألسنتهم على لحسه من الادام الفاقع المتجمد، وعليهم اطمار لم يراع في قياسها على أجسادهم إلا منعها من أن تنزلق وتنساب، على أن الأثر الذي تحتفظ به هذه الاطمار يوحي بأنها كانت ملابس فاخرة، وأنها أحيلت إلى ظهور العبيد لتموت فوقها بعد ما نهك غيرهم شبابها وكهولتها.
وسيق السيد (زين الدين) إلى مقصورة فاخرة تتوسط حديقة لا تتناسب أناقتها مع سماجة مدخل القصر ووحشيته.
وكانت المقصورة مظلمة، مما جعل الرؤية متعذرة على السيد (زين الدين) أول ما دخلها، ولكنه استطاع مع ذلك أن يرى ما تخيله طبقا أبيض عظيم الاستدارة معلقا في فضاء المقصورة، فنزل بعينه قليلا لعله يرى سندا يستند إليه الطبق، فإذا هو يرى جرمين آخرين في لون الطبق معلقين أيضا.
واحتار ماذا يصنع، أيقف أم يتقدم، ولكن حيرته تلاشت على ضوء ساطع غمر المقصورة، لان الخادم التي تقدمته إليها، رفعت الستائر التي كانت تحجب ضوء النوافذ.
واستحال الطبق إلى وجه أنثى ضخم لأذقن له ولا عنق يحمله، أما الجرمان الآخران فظهر أنهما ساعدان مخطوطان في حجم الأعمدة وصقلها. وكانت هذه الأطراف على بعد ما بينها، تتصل بجسد هائل مكور الحجم، ملفوف بالسواد.
واحتاج السيد (زين الدين) أن يعيد التحديق في صاحبتنا ليتبين أهي واقفة أم قاعدة، ولكنه لم يجد وجها لترجيح أحد الاحتمالين على الآخر.
هي قاعدة لأنها لا يمكن إلا أن تكون كذلك ما دامت فخذاها تتقدمان جذعها وتتجهان أفقيا إلى الأمام، وهي واقفة لأنه لا يظهر حولها أو تحتها شيء تجلس عليه.
وتأدى إلى سمع السيد زين الدين صوت رفيق من ورائه يقول:
- تفضل.
واستدار السيد زين الدين، فرأى شابا كان من الجائز أن يروق في عينه، لولا أن الشاب ما أن أبصر وجهه حتى زم شفتيه مستنكرا، ووثب نحو صاحبتنا، وانحنى عليها، وأدنى شفتيه من أذنها، وجعل يهامسها،
حاول السيد زين الدين أن يقرا حركة الشفاه، ولكن صاحبتنا نشرت دون الشفاه مروحة أخرجتها من بين طيات جسدها.
وكاد السيد زين الدين يجن من الخجل والخزي حين جعلت صاحبتنا تطوي المروحة فتحملق فيه تم تنشرها وتعود إلى المهامسة، وكأنما هو بغل معروض للبيع.
وأخيرا اعتدل الشاب واقفا، وأشار إلى السيد (زين الدين) الذي كانت رجلاه تكادان تنوءان بحمله أن يجلس، ثم أشار إلى صاحبتنا قائلا:
- الآنسة «ماما»
وتمتم السيد (زين الدين) يقول:
- «تشرفنا»!
فتنت الآنسة (ماما) في خفر، ونشرت المروحة فوق وجهها تداري خجلها.
واقتعد السيد زين الدين خشبة على مقربة من الآنسة ماما.
أما الشاب فجعل يتمشى مطرقا برأسه كمن يبحث عن شيء سقط منه.
كان رشيق القد، عاري الرأس، يرتدي فوق بذلته الكاملة معطفا بيتيا أحمر اللون، يواري من طوله حتى قدميه، فيجعله وهو يتحرك فوق البساط الأخضر المتماوج، كالبطة تنساب فوق سطح الماء.
وكان صبر السيد (زين الدين) يكاد ينفد حين أقبل عليه الشاب يقول:
سيدي الفاضل، إن غيرك كثيرين طلبوا يد الآنسة ماما، وما فيهم ذو ميزة وحيثية، ولكن والدي آثرك على جميع هؤلاء لما آنس فيك من فضل