فجعلها تبدو أطول مما كانت. ترى ما هو هذا الشيء؟ َ!
وكان السيد زين الدين تطوع للإجابة عن هذا السؤال حين مرر راحته على لحيته ثم قربها من عينيه وجعل يتبينها جيدا.
وإذن فهو ينتظر أن يرى أثرا يلصق براحته من لحيته.
وحين وصل السيد منير إلى هذا الاستنتاج عرف كل شيء، عرف أن زميله إنما دخل إلى غرفته ليخضب لحيته.
ولم يسع السيد منير إلا أن يضحك كثيرا.
ولما نظر إليه السيد زين الدين مستفهما، لم يحجم أن جابهه يقول:
- لقد كنت محقا في تسترك، لأنك إنما كنت تقوم بعملية تزوير.
- كيف؟ أنني لا افهم شيئا.
فكان جواب السيد منير أن مرر أنامله على لحيته أفقيا يحكي حركة «الطلاء».
وقال السيد (زين الدين) مغالطا:
ومادا في ذلك حتى اخرص على كتمانه!!
لأنه كما تفوت مزور النقود الفائدة التي يلتمسها بتزويره إذا ما فضح أمره؛ تفوت مزور الشباب اللذة التي يتحراها من تزويره إذا ما كشف صنعه.
وحاول السيد (زين الدين) أن يغالب الضحك، ولكنه لم يستطع، فشفع ضحكته بوكزة سددها إلى جنب صديقه وهو يصيح به:
- يا لك من شيطان!
- قل لي بربك فيم كل هذا البهرج؟
ومال السيد زين الدين إلى أن يكاشف صديقه بأمره، ويستأنس برأيه، فهم أن يتراجع عن تكتمه بالتدريج، ولكنه وجد أن موعده قد أزف، وأن ما بقي لهذا الموعد لا يتسع للاستدراج، فأسرع يقول لزميله:
- لابد أن تكون قد خمنت، ولابد أن يكون تخمنك قد هداك إلى واقع أمري.
- نعم نعم، لا ينبغي أن يكون هناك شيء يهمك أكثر من الحصول على الزوجة الصالحة، فأمك قد كبرت وضعفت عن خدمتك، ولابد أن يكون هذا قد فتر من عزمها على الاحتفاظ بك خالصا لها. استطيع أن اعرف كل هذا بسهولة، ولكن أنى لي أن أعرف الأسرة الكريمة التي توشك أن تنظمك في عقدها الغالي!
- أسرة الهدار ,كريمة الحاج حمو الهدار.
- بخ! يا لك من صياد ماهر! أسرة الهدار, وبنت الحاج حمو بالذات, إنه حارس كنوز الأسرة المصونة, ولكن, إدا لم تخني ذاكرتي, فكريمة الحاج حمو متقدمة في السن، بحيث كان المنتظر منك أن تبيض لحيتك لها لا أن تسودها، على أنني في الواقع معجب بعقليتك العملية، فالخير الخالص لا يوجد في هذه الدنيا، فيكفي إذن أن ترجح الحسنات على السيئات، وأني لأراها راجحة في صفقتك هذه.
ومع أن السيد زين الدين قد امن في سره على كل حرف نطق به صديقه، فإنه أجابه متصنعا الغضب:
- انك يا سيد منير تعلم أن أسرتي وان كانت دون أسرة الهدار في المال والنسب، فهي كفء لها في عراقة الأصل وطيب الأرومة، وهذا كل ما يهمني.
- طبعا طبعا ... ولكن قل لي، هل وافق السيد الهدار نهائيا؟
نعم وافق، ونحن الآن بصدد البحث في التفاصيل.
إذن لا يسعني إلا أن أبارك خطبتك!
والواقع أن السيد (زين الدين) كذب على صديقه حين زعم له أن الخطبة فد تمت، فما تمت الخطبة في الحقيقة، لان الحاج حمو علق تمامها على أمرين اثنين هما ما خرج السيد (زين الدين) الآن من أجلهما.
أما أول الأمرين فعرض السيد زين الدين نفسه على مخطوبته الآنسة «ماما» حتى تطمئن لشكله.
وأما ثاني الأمر فأجازة «سيد الغالي» شقيق الآنسة «ماما» لاختيارها.
*
لما دخل السيد زين الدين قصر الهدار، وجد في مدخله عبيدا سودا متربعين على حشايا من الخوص.