الرجال، وذلك لتستطيع أن تستأثر بكل سلطة الفراعنة لنفسها، وفي أعقاب إحدى الحروب امتهن الملك هانان ملك «أمون» ممثلي دافيد ملك «جوديان» بأن أمر بحلق نصف لحية كل منهم، فقد أرسل الملك دافيد رجاله في سفارة ودية لدى الملك هانان، ولكن أميرا من أمراء دولة هانان أبدى لمليكه رأيه في أن دافيد قد أرسل هؤلاء الرجال للتجسس، ولما علم دافيد بما قد حدث لرجاله أمرهم بالبقاء حتى تنمو لحاهم إلى ما كانت عليه.
وقد أخبر الاسكندر الأكبر جنوده بحلق لحاهم حتى لا يتركوا للأعداء جذبهم منها، ويقال إن عادة حلق اللحى في روما بدأت بسكيبينو الإفريقي الذي كان يحلق لحيته يوميا، وكان الشاب الروماني يستهل حياة الرجولة عندما يحلق للمرة الأولى، فتقام له الاحتفالات تمجيدا لهذا الحادث الجلل، تشبه حفلة الختان عندنا.
وبدأ تحبيذ اللحى في روما عندما أطلق الإمبراطور هارديان لحيته ليخفي آثار بعض الجراح في وجهه، أما الإمبراطوران انطونيوس بيوس وماركوس أوريليوس فقد أرسلا لحيتهما باعتبارهما فيلسوفين.
وفي القرن السادس عشر كان من أبرز أصحاب اللحى جيوم دوبرات مؤسس كلية كليرومونت لليسوعيين، وقد اجتمع رجال الكنيسة بكامل هيئتهم وقرروا أن هذه اللحية غير مناسبة للبطريق، وأجمعوا على وجوب حلقها، وعندما توجه البطريق بعد ذلك إلى الكنيسة استقبله رئيسها ورجالها بالأمواس والمقصات والصابون والماء الدافئ، ولكنه ما كاد يرى حلاقيه المنتظرين حتى أسرع بالفرار إلى منزله الريفي في بوريجارد حيث توفي بعد مرض قصير سببه له الغضب من هذه المحاولة لحلق لحيته.
وفي روسيا في عهد بطرس الأعظم تعرضت اللحى للحرب من الحكومة بواسطة الضرائب، فكانت تتقاضى عن لحية التاجر من الطبقة الممتازة مائة روبل وعن لحية التاجر العادي ستين روبلا، أما العبيد وخدام الكنيسة فتتقاضى عن لحية الواحد منهم ثلاثين روبلا فقط، ويسمح لبعض الطبقات من الريفيين بالالتحاء مع إعفائهم من الضريبة إلا في حالة زيارتهم للمدن.
وبلغت حرب بطرس لللحى أقصى عنفوانها في عام 1722 حين أمر المجلس التشريعي باستصدار قانون يحتم على الملتحين ارتداء ملابس العصور القديمة، والشخص الملتحي الذي يذهب إلى مكاتب الحكومة بغير ملابس العصور القديمة لا يفصل، وإنما يتحتم عليه دفع غرامة قدرها خمسون ريالا، وإذا عجز عن الدفع أرسل إلى العمل بما يوازي هذه الغرامة على سطح السفن الحربية، وأبيح للمخبر أن يلقي القبض على أي رجل ملتح يرتدي الملابس العادية وأن يقتاده إلى المحكمة حيث تثبت إدانته ويتسلم ملابس الرجال فضلا عن نصف الغرامة.
أما في انجلترا فكانت اللحى في عهد الملكة اليزابيت مظهرا مرغوبا فيه للرجال وقد شاعت اللحى بين الرجال من كل الطبقات، وبات نموها أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للشبان العصريين، وشاعت صباغتها في بعض الأحيان حتى اعتبرت اللحية التي يتركها صاحبها على لونها الطبيعي شذوذا عن المألوف، وتنوعت نماذج اللحى حتى كان منها ما تشبه الشوكة أو ذيل العصفور، والقصيرة المحدبة والطويلة المدببة وغير ذلك، أما لحية الكاتدرائية (الكنيسة) فكانت طويلة عريضة مسترسلة، وقد بدا القساوسة ورجال الكنيسة يتخذونها نموذجا منذ أوائل ذلك القرن.
وقد كتب أحد من مؤرخي تلك الفترة يصف أشكال اللحى فأطلق عليها «لحية كين المصبوغة»، وهي لحية صغيرة مائلة اللون إلى الاحمرار، وسبب التسمية أن «كين» كان يظهر بلحية من هذا النوع - وكذلك كان أيضا جوداس - في التصاوير القديمة، وقد ذكر نفس المصدر أيضا - «لحية قرضتها الفيران» بين أنواع الحي وهي تنمو منقسمة إلى خصلتين الواحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار.
وفي مسرحيات شكسبير إشارات عديدة إلى اللحى، ففيها تحقير للحى وهزء بها وقسم بها، ففي مسرحية «سيدان من فيرونا» يقول الرجل الثالث الخارج على القانون: «أستحلفك بلحيتي هلا ... » وفي مسرحية "ماكبت" إشارة إلى الاعتقاد الذي ساد منذ عدة قرون بأن المرأة الملتحية ساحرة، فيقول بانكو عندما يلتقي بالساحرات الثلاث: «لا بد أنكن نساء ولو أن لحاكن تمنعني من أن أفهم هذا؟»، والملوك عادة هم الذين يضعون «الموضة» بالنسبة للحى ويتبعهم بلاطهم، فعندما بدأ فرانسيس الأول في فرنسا يرسل لحيته احتذى حذوه مواطنوه مما دفع رجال القضاء والحكومة وقادة الفكر إلى أن يحلقوا لحاهم.