تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص104

من تاريخ اللحى

بقلم: عبد القادر القادري

في الأنباء الواردة في شهر ماي الفارط من (هافان) عاصمة (كوبا) ورد الخبر الذي مر به أكثر الناس مر الكرام.

قالت وكالات الأخبار العالمية التي أوردته، ومحطات الإذاعات في العالم أجمع التى أذاعته .. إن فديل كاسترو زعيم كوبا ورئيس وزرائها لم يحلق لحيته بعد، رغم مرور أربعة أشهر على قضائه على الدكتاتور باتيستا ودخوله هافان ظافرا منتصرا على رأس ثواره (الالحيين). انتهى ما قالته وكالات الأنباء العالمية وما أذاعته محطات الإذاعات العالمية، أوردناه بلفظه.

إلا أن هذا الخبر لا يضعف من قيمة لحية فديل كاسترو، فقد التمس أحد الأثرياء في كوبا من زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو أن يبيعه شعر لحيته حينما يحلقها، وخصص لهذه الصفقة 25 مليون فرنك، والثري المشار إليه كان يساعد الثوار فيما سبق، ويمدهم بالمال، وهو معجب بكاسترو إلى حد أنه أراد أن «يتبرك» بشعر لحيته، ولكن الزعيم رفض هذا العرض وقال إنه: «ما يزال في حاجة إلى لحيته»، وقد علقت صحيفة العلم على هذا الرفض بقولها: فيا سوء من يحلقها كل صباح مجانا.

وليست لحية كاسترو هي التي لعبت وحدها دورا في ثورة، فقد كان إلزام الملك أمان الله عاهل الأفغان السابق رعاياه من الشيوخ بحلق لحاهم سنة 1929 من الأسباب الرئيسية التي أدت بالقبائل الأفغانية إلى شق عصا الطاعة على الملك أمان الله خان وإقصائه عن العرش الأفغاني بسقوط كابول عاصمة أفغانستان في قبضة زعيم الثوار باجة سغة.

وحلف وزراء يوجندة بإفريقيا سنة 1953 بأيمانهم الغليظة بأن لا يحلقوا لحاهم، حتى يعود ملكهم الكابكا إلى عرشه الذي نزعه منه الإنجليز، قد بر الوزراء بوعدهم، وحلقوا لحاهم عام 1955 عند رجوع ملكهم، وقدموا له شعر لحاهم ليملأ به وسادة فراشه! (انظر مقالي عن رجعة الزعماء المنشور في جريدة العلم عدد 11 يونيو 1956)، ويقول عباس حليم في الحلقة الثانية عشرة من مذكراته المنشورة في مجلة المصور المصرية عدد 30 يناير 1959: فاروق يطلق لحيته. وتم للإنجليز كل ما أرادوا حتى في الأزهر. ولما جاء فاروق إلى مصر بعد وفاة أبيه كان الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخا للأزهر. ولقي وجوده هوى في نفس أحمد حسنين، وفتحت أبواب القصر للشيخ المراغي، وكان فاروق يتلقى عليه بعض تعاليم الدين. ويا ليت فاروق حاول أن يستفيد من علم الشيخ وفضله. لقد كان ما يهمه ـ هو أيضا - أن يصبح خليفة للمسلمين، وزين له «عقله» أن يعتمد على نفسه في تحقيق هذا الحلم الذي داعبه، فماذا فعل؟ أطلق لحيته .. وراح يظهر بها في الصور التي تنشرها الصحف- .. بل لقد تمادى في إيهام نفسه وإيهام الناس بصلاحه وورعه، فطلب من مريده وأصدقائه المقربين أن يطلقوا لحاهم مثله، ولعلكم تذكرون - يقول عباس حليم - أن فاروق كانت له في وقت من الأوقات ثله من أصحاب الذقون كانوا يروجون بين المسلمين لمسألة الخلافة، ويصفون فاروق قائلين إنه الملك الصالح! وكان فاروق كما عرفنا مندفعا في تصرفاته .. اندفع في إطلاق لحيته ثم طلب إلى أصحابه أن يحلقوها مثله، وكان يقول لهم: «الذقون منفعتش .. احلق يا ولدي»!

ولللحي تاريخ عريق في القدم، ففي أزمنة الكتاب المقدس نالت اللحى عناية فائقة وكانت لبشلزار لحية مجعدة من طبقات منتظمة، ولعله كان يصبغها بمسحوق الذهب، وعندما استيقظ أهل الكهف المذكورة قصتهم في القرآن الكريم لم يعرفهم الناس الذين رأوهم إذ ذاك بسبب كث لحاهم، وفي القرن السادس عشر قبل الميلاد اعتادت ملكة مصر حتشبسوت أن تظهر في الحفلات العامة في لحية مستعارة مرتدية ملابس

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٧٨