تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما هنري الثامن في انجلترا فقد كان يرسل لحيته أو يحلقها حسب هواه فيما بين عامي 1519 و1535، وفي تلك السنة أمر جميع رجال البلاط أن يقصروا شعورهم كما فعل هو بشعره، كما أمر ألا تحلق لحيته بعد ذلك. وقبل ذلك بخمسة عشرة عاما أقسم هنري أمام السفير الفرنسي أنه لن يحلق لحيته حتى يلتقي بفرانسيس الأول، وقد أقسم فرانسيس أن يفعل ذلك أيضا، وظل محافظا على قسمه بينما نكث هنري بالوعد فحلق لحيته قبل اجتماعهما في سنة 1520 فاعتذر عنه توماس بأن الملكة متضايقة من لحيته، وقد حدث قبل هذا الحادث في فرنسا أن حلق لويس السابع عشر لحيته فتضايقت من ذلك الملكة اليانور وشعرت بالألم لأن لها زوجا حليقا، وفي أوائل القرن السابع عشر انتشرت موضة اللحية القصيرة ثم تلاشت موضة الالتحاء تدريجيا بمرور ذلك القرن حتى اختفت طوال المائة والخمسين عاما التالية، ثم عادت اللحى إلى الانتعاش بين 1850 و1880، وبعد ذلك عزم شباب أوربا عن إرسال لحاهم، وأصبح الالتحاء هناك مقصورا على بعض كبار الرجال ورجال الكهنوت.

وجل ملوك أوربا قبيل الحرب العظمى 1914 - 1918 كقيصر روسيا وغليوم الثاني إمبراطور ألمانيا وجورج الخامس ملك انجلترا وعبد الحميد الثاني سلطان تركيا، كانوا يطلقون لحاهم، ولعل الإمام أحمد ملك اليمن الحالي وهيلاسلاسي إمبراطور الحبشة هما الملكان الاثنان اللذان يطلقان لحيتهما.

والمعروف أن الراهب الفرنسي شار لرفوكو كان يطلق لحيته كلما دخل إلى المغرب قبل عام 1912 للتجسس عليه، وأكثرية الرهبان الأرتوذكس لهم لحى كثة، وما لحية الأسقف مكاريوس زعيم جزيرة قبرص عنا ببعيدة.

وتختلف الأمثال القديمة في تمجيد اللحى أو تحقيرها، فهناك مثل ألماني قديم يقول «إذا لم توجد اللحية لم يوجد الإدراك والفهم»، يناقضه مثل انجليزي من القرن السابع عشر يقول: «لم تكن اللحية في يوم من الأيام مميزة للعقول السليمة»، ويناقضه أيضا مثل عربي يقول: «من طالت لحيته قصرت فطنته»! وفي بعض قصص سكوت إيضاح لمثل إسباني قديم، فقد كتب في سياق القصة: «وانطلقوا بالعربة على نحو ما عبر عنه المثل الإسباني (ولحاهم على أكتافهم) ذلك أنهم كانوا يلتفتون فيما حولهم من وقت لآخر ليحصلوا على أسرع المعلومات عن كل ما يصادفهم، وكلنا يعلم قصة الشيخ الألحى الذي أحرق لحيته بعد ما طالع كتابا في البسيكولوجيا عن لحية الرجل إذا طالت، ففكر في الأمر مليا حتى ثبت لديه حمقه وطيشه، وكتب في طرة الكتاب الذي كان في يده هذه العبارة الشهيرة: «جرب فصح»، وفي المدنيات القديمة كانت لللحى طبقاتها التي تتفاوت رفعة وضعة، والتجعدات المنتظمة في اللحى تعتبر من مميزات قدماء الإغريق والأشورين.

وتعود بي الذاكرة إلى سني الدراسة في الكتاب، ويعارض أحد الطلاب قول الشيخ عبد الواحد ابن عاشر في شروط الإمامة في مرشده المعين:

شرط الإمام ذكر مكلف *** آت بالأركان وحكما يعرف

فيقول:

شرط الإمام ذكر مكلف *** لحيته في وجهه قد تعرف

ذلك أن اللحية كانت وقتذاك شرطا لازما في الإمامة بخلاف اليوم حيث تبدلت الأخلاق والعادات.

ومن البديهي أن المسلمين لم يشرعوا في حلق لحاهم إلا بعد احتكاكهم في أوائل القرن العشرين بالأوربيين وخصوصا بعد سقوط معظم الأقطار الإسلامية في قبضة الاستعمار الأوربي، وذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وينظر المسلمون إلى اللحية المرسلة نظرة احترام نظرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل لحيته.

والأمر بإعفاء اللحى ورد به حديثان صحيحان من ابن عمر وأبي هريرة، أما حديث ابن عمر فمتفق على صحته، أخرجه البخاري ومسلم عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خالفوا المشركين وفروا اللحى. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد ومسلم ولفظه جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس، ووردت أحاديث أخرى في غير الصحيحين.

ويرى العالم الإنجليزي دروين أن اللحى كانت موجودة في الغالب لدى المرأة والرجل على السواء عند بدء الخليقة، ولكن المرأة كانت تنتزع شعر جسمها ولحيتها أولا بأول - كي تتجمل للذكر - حتى ضعفت منابت هذا الشعر فانقرض.

وليس قصدي من حديثي هذا أن يطلق الناس لحاهم أو يحلقوها وإنما الحديث شجون كما يقولون ولله في خلقه شؤون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٨٠