الناتج عن ميلنا إلى العمل، إن العقل قد تعود على تحليل المادة وتقطيع أجزائها ثم إلصاق هذه الأجزاء بعضها بالبعض، وهو محصور في مرمى واحد وهذا المرمى هو العمل الذي يعود بالمنفعة على الإنسان، بينما كان من حق العقل الباحث التحليلي أن يعين الحدس على الالتصاق بالمادة نفسها ليطلع على حقيقتها حيث أن المادة ليست بالنسبة إلى الروح كالضد لضده يتنافران مطلقا، بل يوجد بينهما اتصال نشاهده أول ما نشاهده في لبس التيار الحيوي للمادة الجسمية وهو اتصال الروح بالجسد.
فإذا اتجهنا بالمعرفة صوب هذا المرمى المجرد من فكرة الانتفاع وجعلنا العقل معينا للحدس لا ضاغطا عليه حققنا مرحلة عظيمة في سبيل التحرر.
والمعرفة الحدسية كلها ليست في نظر بركسون إلا تحررا، أنها تحرر حينما تقول للوضعيين والتجريبيين والعلمانيين أخطأتم بزعمكم أن الفكر البشري غير قادر على تمزيق الحجب التي تعوقنا عن التعرف بالنفس تعرفا مباشرا، بل العالم الروحي ميدان لنا القدرة على الخوض فيه واكتشاف أسراره، ولنا من أجل ذلك الأداة الصالحة وهي الحدس.
والمعرفة الحدسية تحرر لأنها تمزق الأغلال التي تقيد «الأنا» العميق وتجعله مغطى بالـ «أنا» السطحي.
وهي تحرر لأنها تجعل حدا لحرماننا من وحي التيار الحيوي الذي «انحرفنا عنه».
وهي تحرر لأنها ثورة ضد الثقافة العقلية المغلقة التي تمخض الأفكار القديمة منظمة أو مقارنة، مدعية أنها تكشف بهذه الطريقة عن أشياء جديدة.
وهي تحرر لأنها تكسر قيود القواعد الاجتماعية والأديان الشكلية لتثب بنا نحو أخلاق حرة تماشي التيار الحيوي وتستضيء بنوره.
*
ولكن يجب أن نتساءل هل يمكن في الواقع تحقيق هذه الحريات البركسونية في تعددها: من كشف عن الـ «أنا» العميق، ومماشاة للتيار الحيوي، وتكسير لقيود الثقافة المغلقة والقواعد الاجتماعية.
وهل في الإمكان تطبيق هذا المذهب الحدسي في الفلسفة والتوصل بواسطته إلى اكتشافات جديدة؟
الحق أنه يصعب الجواب على هذه الأسئلة بكيفية حاسمة، وان البركسونيين يمكنهم أن يقولوا بأنهم فتحوا أمامنا عوالم كان مضروبا بيننا وبينها سور من جديد، ولا ينكر أحد أن علم النفس مثلا قد تقدم بخطوات عظمى منذ بروز البركسونية إلى يومنا هذا، ولا ينكر أحد أننا عرفنا وثبة روحية عظيمة في القرن العشرين، ولكن هل كان الحدس وحده هو السبب في مثل هذا التقدم؟ كلا بل كانت التجارب والأبحاث العقلية أكبر عامل في جميع الميادين على وثبة الإنسانية نحو التقدم والرقي، وكثيرا ما نتساءل إذا القينا نظرة واحدة على هذه المطامح البركسونية هل هي حقائق أم أوهام، فالعقل الذي نحكم عليه بالعقم، إذا ألقينا نظرنا إليه بمنظار بركسوني، أليس هو أكثر قٌواتنا النفسية مرونة على اكتشاف الحقائق، فهل من الصواب أن نسكت هذه الملكة الإنسانية المرنة لتستفتي غيرها سيما وأن هذا الغير لم يعطنا نفس الضمانات الكافية فنقبل تسلطه.
ثم إذا نظرنا في التشوف إلى الحرية وجدنا أن العقل والعلم اللذين تعدهما الحدسية قيودا بسبب مراميها الانتفاعية العملية، إنما هما في الحقيقة سبب عظيم في تحرر الإنسانية من ربقة المادة، وهل جربنا حتى الآن وسيلة أكثر منهما قدرة على القيام بهذه المهمة التحريرية؟ لقد استطعنا بالعقل والعلم التجريبي أن نزن الكون مع عظمته ونخترق أسرار العالم الغير المتناهي في الصغر والعالم الغير المتناهي في الكبر وننتقل من فتوحات إلى فتوحات أكبر منها حتى صرنا لا نيأس اليوم من صنع الحياة نفسها «في المخبر» على حد تعبير العلمانيين، فليس الحدس بل العقل والعلم هما اللذان علمانا مثلا أن المادة والطاقة شيء واحد، أو لا يعد هذا الاكتشاف من أكبر مراحل التحرر؟.
ثم أن العقليين يعيبون مع بركسون هذه الثقافة «المغلقة» وهذه الأخلاق «المقفلة» التي تصير الأفكار الإنسانية عقيمة، والعقل أول من ُثأر على