تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الحدس فهو شبيه بالغريزة في ملازمته للتيار الحيوي واستمداد وحيه منه، وهو يكون مرحلة تقدمية بالنسبة إلى العقل لأنه أداة صالحة للدخول آلة العالم الروحي الممنوع على العقل، فإنه لا يمكننا أن نحصل على المعرفة المتعلقة بالـ «أنا» إلا إذا بلغنا هذا النوع من التحرر من ربقة العالم المادي بعملية تستوجب كثيرا من الإرادة والجهد، فتقرر أول الأمر التجرد من كل ميل إلى العمل المادي، ونطرح جانبا كل الأدوات التي حملتنا الحياة للقيام بهذا العمل: من عقل ولغة وحواس، ونأخذ الأداة الصالحة لمعرفة الروحيات وهي الحدس، ونجعل اتجاهنا كله صوب التيار الحيوي فيوحي إذ ذاك إلينا هذا التيار بمعارف بديهية أخذت من عنصرها الأول غير مشوهة بالماديات ولا بالعقل المخصص لها ولا بالكلام، لان الكلام يصدر عن عمليات العقل، فتكون بهذا فد خصصنا كل أداة في وظيفتها داخل ميدان المعرفة.

ثم نرى في كتاب «منبعي الأخلاق والدين» أن الحدس قد تطور في معانيه بتطور معنى المعرفة عند بركسون، نجد في هذا المؤلف الشهير أن هناك أخلاقا نتوارثها وتفرض على الـ «أنا» الخارجي فرضا، فتبرز في قواعد ينظمها العقل حسب المقتضيات الاجتماعية، ولهذه الأخلاق سيطرة على الفرد نسميها ضغطا اجتماعيا، فهي أخلاق عقلية. وقد رأينا أن بركسون يجعل العقل تابعا للـ «أنا» السطحي المخصص في الماديات والاجتماعيات، ومن عيوب هذه الأخلاق أنها تخضع للوسط وأنها غير حرة في اتجاهها، فهي على حد تعبير بركسون «الأخلاق المغلقة» أغلقها العقل بقوانينه السطحية والمجتمع بضغطه، وبحصره إياها في الوسط المحدود الذي هو الأسرة والقبيلة والأمة.

وهناك نوع آخر من الأخلاق أكثر حرية من الأول وليست له قواعد أساسية، بل يستمد وجوده من الاقتداء بما هو أحسن ومن الميل إلى الكمال، ويرجع هذا النوع من الأخلاق إلى الشعور، لا إلى العقل، ويسميه بركسون «بالأخلاق المفتوحة» فتجهل الشعور لأنه نفسية أكثر غنى وعمقا من العقل، وفتحها ميلها إلى الكمال وتطورها بحرية مطلقة وقدرتها على الشمول، والواقع أنا لا نجد أخلاقا مغلقة صرفة وأخلاقا مفتوحة صرفة، فالأخلاق كلها في الحقيقة خليط من هاتين النزعتين.

وعظماء الإنسانية ليسوا إلا المجددين الكبار الذين لا يدينون بالأخلاق المغلقة، بل يكسرون قيودها ويثبون إلى الإمام بشعور عميق وحدس قوي صاف فيحققون بذلك تطور البشرية وتقدمها.

فسر عظمتهم أنهم يضعون أنفسهم في اتجاه التيار الحيوي، فلا تغريهم عنه الماديات والعقليات بل يبقون متمسكين بالحدس والمعرفة البديهة، فيأخذون الحقائق في صفائها.

كان هذا شأن عيسى بن مريم إذ أتى بحرارة جديدة، أخدها مباشرة من عنصر التيار الحيوي ووثب بها إلى الأمام بانفتاح وحرية، فكسرت قيود القواعد الدينية والأخلاقية وحققت مرامي الحياة في التطور والانبثاق.

يظهر مما ذكرناه عن المعرفة والحدس البركسوني أن هناك تباينا بين العقل الباحث والحدس الصرف، ولكننا نشوه فلسفة بركسون أن وقفنا عند هذا الزعم وتناسينا التدقيقات التي تتهم هذه النظرة الإجمالية، فالفلسفة الحدسية لا ترفض العقل الباحث تمام الرفض، بل تؤمن بأنه القوة المؤدية إلى الوضوح على حد تعبير بركسون «النواة المضيئة التي لا تبدو حولها الغريزة والحدس، إلا ضبابا غامضا» وإنما الشيء الذي تعيبه الفلسفة الحدسية على العقليين هو تمسكهم بنظريات صلبة لا تلصق بتشعب الواقع ولا تقوم بأي تجديد في ميدان المعرفة الإنسانية، بل هدفها تنظيم المعارف السابقة وترتيبها، بينما الحدس يأتي بالفكرة الجديدة البسيطة المستوحاة بواسطة الاتصال المباشر بالواقع.

إن ما ينسب إلى العقل من قدرة على فض جميع المشاكل بتحريك نظريات صنعتها الحياة الاجتماعية من أجل الحياة الاجتماعية مجرد ادعاء، لان السبيل الوحيد لفض المشاكل إنما هو العمل المجهد المثمر الذي يمزق الحجب عن «الكلمات» ليتصل «بالأشياء» ولكن العقل لن يزال بسبب وضوحه وقدرته على المقارنة والتنظيم يكون المرحلة الحاسمة في سبيل الوصول إلى الحدس المجدد الباعث.

فكأنما يريد بركسون أن ينبهنا في هذه التدقيقات المتعلقة بالعقل والحدس أن لنا أدوات لا نحسن استعمالها، إذ نجعل أنفسنا تحت الضغط

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٦٨