تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«أنا» السطحي الذي تحكمت فيه الماديات والعادات الاجتماعية، ويكون هذا الـ «أنا» السطحي قشرة تحيط بالـ «أنا» العميق من كل جانب، ولا سبيل إلى بروز هذا الـ «أنا» إلا بإزالة القشرة عنه، فيجب قبل كل شيء أن ننزع عنا المعارف التجريبية التي هي مجرد ماديات ونتحرر من سيطرة العقل الذي هو بطبيعته أداة لها، إذ ليس مطابقا للصواب، إذا أردنا معرفة بعض الحالات النفسية التي هي من الجزء العميق، أن نحكم فيها الجزء السطحي، وإذا استطعنا بعد ذلك أن نمزق الستار الذي يحجب عنا الـ «أنا» العميق فنصل إليه مباشرة، وتغمرنا بداهته وبساطته وصفاؤه.

فالعقل هو المسيطر في الـ «أنا» الخارجي والموصل إليه، وهو بهذا أداة للمعرفة العلمية التجريبية

وهناك ملكة أخرى هي المسيطرة في ألـ «أنا» الداخلي والموصلة إليه وهي بهذا أداة للمعرفة البديهة، وهذه الملكة هي الحدس.

إننا حين نذكر الحدس عند بركسون نتصور من أول وهلة أنه ملكة نفسية ذات مظهر واحد واستعمال واحد، فهو القوة الروحية التي تدرك الحقائق بالبداهة، وهو الملكة المخصصة في الأبحاث النفسية.

والواقع أن معنى الحدس ووظائفه قد تطورت وازدادت عنى عند بركسون بمرور السنين واتساع الأبحاث.

إننا نجد في كتبه ومقالاته عبارات مثل «الحدس الصرف» أو «الحدس الأولي» أو «الحدس البديهي» كأنه يريد أن يقول أن الحدس ليس بالملكة النفسية التي تتصرف بكامل الحرية، فإذا وقع استعمالها في المعرفة الروحية صارت عرضة لتدخلات العقل الذي يمس باستقلالها، وكأنه يوصينا بأن تكون على يقظة مستمرة لوقاية الحدس من العقل التجريبي حتى لا يفقده بداهته وصفاءه.

ويتجلى هذا التباين بين الحدس الصرف والعقل التجريبي خصوصا في المؤلف الشهير لبركسون «التطور الخالق» حيث يدخل عامل جديد للمقارنة بينهما إلا وهو الغريزة.

إن ما يعبر عنه بر كسون بالتيار الحيوي، وهو تلك الدفعة الأصيلة التي انبثقت منها كل حياة، يتشعب في عالمنا هذا إلى ثلاثة أنواع من التطورات والتجارب تتفاوت في درجة الوجدان بقدر ما تتفاوت في درجة الحرية والحركة.

فالاتجاه الأول من التيار الحيوي تكيف في النباتات التي تأخذ قوتها مباشرة من الأرض، ولا تتحرك من مواضعها، فوجدانها قليل بسبب قلة حركتها وعدم استقلالها عن المادة.

فالاتجاه الثاني من التيار تكيف في الحيوانات التي تتحرك لتأخذ قوتها من النبات فتتصل بالمادة في مظاهر مختلفة وتتعرف بها بواسطة أداة خاصة وهي الغزيرة، ومن خصائص المعرفة الغريزية أنها معدة للتعرف بالعالم المادي بقصد التصرف فيه، وأنها من جهة أخرى معرفة غامضة، ومن خصال الغريزة أنها بديهية ومتصلة مباشرة بالتيار الحيوي الذي تأخذ منه وحيها.

ويقول بركسون: «انه لو أمكننا استفتاء الغريزة، ولو كان في إمكانها أن تجيبنا لأعطتنا معلومات عن تيار الحياة التي هي ملازمة لها»

وأما الاتجاه الثالث للتيار الحيوي فقد تكيف في الإنسان.

تتجلى في هذا الكائن الحي ملكة تفوق الغريزة من حيث الوضوح، وتمكن من معرفة العالم المادي بوعي أكثر، وهذه القوة الموضحة هي العقل. فيه يتحرر الإنسان من المادة ويتسلط عليها، وبه يتميز عن الحيوانات لأنه يكسبه قبل كل شيء قدرة على صنع آلات يستعين بها في أعماله، ثم أن العقل يخول الإنسان معرفة بالماديات هي المعرفة التجريبية التي ذكرنا آنفا.

ولكن المعرفة التجريبية والقدرة على صنع الآلات يقصدان اتجاها واحدا وهو التصرف في العالم المادي، ويلتقيان في هذا الاتجاه بالغريزة لان الكل يندفع بطبعه إلى العالم الخارج عن النفس.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٦٧