دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص 92
المعرفة والحدس عند برجسون
بقلم: عبد المجيد مزيان
ما هي المعرفة؟ وما هي الطرق المؤدية إليها؟
أول ما يتبادر إلى عقلنا حينما نتكلم على المعرفة بذهنيتنا التقليدية هو تقسمها إلى منقول ومعقول، ومنا من يتعدى هذا التقسيم فيرى نوعا من المعرفة يأتي عن طريق الشعور، ونوعا آخر جربته الصوفية وسمته «بالذوق».
ولكننا إذا نظرنا إلى المعرفة كعملية نفسية، انفتح أمامنا عالم واسع تشعبت فيه النظريات الفلسفية أيما تشعب، وتعددت فيه الآراء بتعدد المذاهب، لا ن مشكلة المعرفة من المشاكل الأساسية التي تهتم بها الفلسفة.
بيد أننا نرى أنه منذ بداية التفكير الإنساني إلى عصرنا هذا يوجد دائما في هذا الموضوع تصادم منتج بين من نسميهم بالمثاليين والواقعيين، أو الشعوريين والعقليين.
ونعلم أن المذهب ذا النزعة الواقعية العقلية قد أفل نجمه في العالم الإسلامي منذ ابن رشد ثم ابن خلدون اللذين لم يكن لتعاليمهما أي صدى في البلاد الخاضعة للثقافة العربية.
ولكن هذه النزعة كانت قد تسربت في خطوطها الكبرى إلى أوربا باسم تعاليم أرسطو، حتى جاء ديكارت وأنشأ المذهب العقلي، ثم جاء التجريبيون وكانت على يدهم الوثبة العلمية الكبرى، فاعتقد كثير من المفكرين أنه لا وجود للحقيقة إلا إذا أقرتها التجربة العلمية، فكان الكثير في أواخر القرن الماضي ينكر وجود الروح مثلا لأنها لا ترى في المخبر، ويسمى هؤلاء المؤمنون بالعلم وحده «علمانيين»، وكانت طائفة أخرى تقول بأن العقل البشري عاجز عن اكتشاف حقائق ما وراء الطبيعة والروحيات، وهؤلاء هم الوضعيون، وجاءت جماعة من العلماء في ألمانيا تقول بأنه يمكن وزن العمليات النفسية في امتدادها وقوتها كأنها أشياء تخضع لقوانين الفيزياء.
هذا الجو المسرف في الاعتماد على العلم التجريبي هو الذي عاش فيه (بركسون) في أواخر القرن الماضي، فقام ثائرا على أخطاء العلمانيين، وبدا أ ول ما بدا بمراجعة معاني المعرفة.
وكانت أول نظرية له برزت للوجود هي أن العقل والكلام المعبر عنه ملتصقان بالعالم الطبيعي، بحيث تكون المعرفة العقلية التجريبية مجرد معرفة للماديات. فنحن إذا أردنا أن نبحث في النفسيات استعملنا العقل، وهو كما يقول بركسون أداة غير صالحة لأنها لم تخلق لهذا النوع من العمليات.
فالعقل جزء من عالمنا النفسي، مخصص في الأشياء الخارجة عن النفس، ولكنه ملكة تطغى قوتها على الملكات الأخرى مثل المخيلة والذاكرة والشعور.
فعلمنا النفسي مقسم إلى قسمين: قسم سطحي، وقسم عميق، والعميق منهما مغطى بالماديات حسب تمثيل بركسون كما تغطى بركة الماء بالأوراق المتناثرة فوقها، والعقل من مظاهر الـ