ولهذا فيغلب على الظن أن زيدان اقتبس أغلب معلوماته التاريخية عن هذه الفترة الإسلامية من كتابين فرنسيين هما: «غزوات العرب في فرنسا» لرينو أو «تاريخ اسبانيا، من العصور الأولى إلى أيامنا هذه» الجزء الثالث، لشارل روميي.
وإذا كان زيدان لم يتعمق في المصادر التاريخية لكتابة قصصه فإنه لم يفصد تأليف كتب في البحوث التاريخية. أنه أراد قبل كل شيء أن يقدم لنا تراجم في أسلوب قصصي فحسب، واليك مثلا في كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي» فهو يبرهن عن عمقه ومعرفته وإلمامه بالبحث التاريخي والأدبي ويمكن أن يقارن بمؤلفات كولدزبير وكرمير، ولهذا فزيدان كان يتعمق في البحث وفقا لطبيعة الموضوع الذي يبحث فيه، إذا، فلا يمكن أن نقول فيه بأنه كاتب سطحي، فبراعة قصصه لا نجدها في القريحة التي يعرض بها الأحوال الطبيعية ذات الصبغة الدراماتيكية في الإسلام.
وقبل أن نتابع دراستنا عن القصص التاريخية بعد وفاة جرجي زيدان يجب أن نشير إلى قصة ظهرت في نفس السنة التي صدرت فيها قصة «شارل وعبد الرحمن» (1904) وهي «أورشليم الجديد» لفرح أنطوان (1874 - 1922) فهذا الكاتب من أصل لبناني درس في معهد بقفطين، وتكون فيه تكوينا ثقافيا متينا، فكان من الذين مهدوا للدراسات الفلسفية بالنسبة لأوضاع المجتمع الجديد في الشرق الأدنى، وقد نشر هذه الدراسات في مجلته «الجامعة» التي تعتبر هي المجلة الثالثة في الشرق حسب الأهمية بعد مجلتي «الهلال» و «المقتطف»، وقد أظهر فرح انطون براعة في كتابة القصص الاجتماعية والتاريخية، ونشاطا كبيرا كمؤلف دراماتكي؛ وكبعض الكتاب الفرنسيين والروسيين، جعل من مؤلفاته منبرا لنشر أفكاره السياسية والدينية والاجتماعية.
فقصة «أرشليم الجديدة» التي طبعت لأول مرة في الإسكندرية سنة 1904، والتي تروي لنا غزو العرب لفلسطين سنة 636م، هي قصة تاريخية وفلسفية واجتماعية وغرامية، فتصف زحف العرب لسوريا وحصارهم لمدينة القدس التي كانت أكبر عاصمة دينية للمسيحية في ذلك العهد، كما تتكلم عن رحلة الخليفة عمر بن الخطاب إلى الشام للاستيلاء على المدينة المذكورة بطلب من بطريرك سوفرونيوس، وبناء المسجد الأقصى فوق خرائب معبد سليمان، بالإضافة إلى معلومات عن حالة اليهود والمسلمين والمسيحيين في ذلك العصر، وعن الأفكار الدينية والسياسية التي كانت تقلق خواطرهم.
وبعد وفاة جرجي زيدان لم تعد القصة التاريخية تجدب أدباء العرب، وذلك لان الحرب العالمية الأولى التي مست جهة من العالم العربي في الشرق، أوقفت مدة 15 سنة كل إنتاج ثقافي، وبعد ما أصبحت الحياة تسير سيرها الطبيعي اتجهت الأنظار من جديد إلى القديم.
ففي سنة 1341هـ / 1923م، ظهر في القاهرة كتاب «حضارة العرب في الأندلس» لعبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة «البيان»، فعنوان هذا الكتاب يتشابه بعنوان كتاب «حضارة الإسلام في دار السلام» لجميل مدور المذكور سابقا، فبدون شك قد تأثر البرقوقي بمطالعة كتاب جميل مدور، ويحكي هو كذلك، بواسطة الرسائل، عن لسان رحالة مصري ركب البحر سنة 345هـ / 956م، من الإسكندرية متوجها إلى ميناء المريا بالأندلس ومنها واصل سفره برا إلى قرطبة عاصمة الخلافة الأموية في نهاية أمرة عبد الرحمن الناصر (300 - 350هـ /912 - 961)، واثر رحلته في البحر تعرف على العالم اللغوي أبي علي القالي، الذي استقدمه الخليفة الأموي ليضمه إلى بلاطه الثقافي.
ففي الرسالة الأولى يصف الرحالة كيف أن الباخرة التي كانت ملكا للخليفة مرت بجزيرة كريد التي وجد بها جماعة من المسلمين الأندلسيين الذين التجأوا إليها بعد ثورة أرباض قرطبة (سنة 202هـ / 817 م) ومرورها كذلك بمضيق مسين وريجيو وبليرمو.
وقد خص الرسالة الثانية بالكلام عن قرطبة وفيها بصف رحلته في البر حينما توجه من المريا إلى عاصمة الأندلس، ويقول عن المريا بأنها مدينة صناعية و «مرسى للسفن القادمة إلى الأندلس وفيها يربض الجانب الأكبر من أسطول الأندلس» مع معلومات موسعة عن الأسطول الإسلامي في ذلك العصر