الجهة الانجليزية، وكورنيي وفيكتور هجو ودوماس من الجهة الفرنسية، أضف إلى هذا أن بعض المعلومات عن الأدب الإغريقي واللاتيني كانت تعطى بواسطة اللغتين الانجليزية والفرنسية.
ومن هؤلاء العرب الذين كانوا ثقافتهم في هذا الوسط أيضا نجد الكاتب المعروف جميل نخلة مدور الذي اظهر إعجابه بكتابي «التيلماك» للراهب الفرنسي فينيلون (4) و «رحلة الشاب أنا شرسيس» الذي كتبه الراهب بارتيلمي (5) وهذا الكتاب الأخير هو عبارة عن رحلة قام بها المسمى أنا شرسيس في اليونان قبل موت الاسكندر الأكبر ببضع سنين، وقد لاحظ هذا الرحالة في جميع الجهات التي زارها عوائد أهلها وحياتهم الاجتماعية وطبيعة حكومتهم ونفسيتهم وبه مقدمة تشمل كل ما يمكن أن يعرف عن اليونان من حروب وعوائد وفنون من العصور الغابرة إلى عصر فليب المقدوني والد الاسكندر الأكبر، وقد كلف هذا الكتاب لمؤلفه ثلاثين سنة في البحث والتأليف، وظهر في نفس السنة التي اندلعت فيها الثورة الفرنسية.
فجميل نخلة مدور كان من الأدباء العرب الذين كان لهم إلمام باللغة الفرنسية، اظهر هذا الاستعداد عندما قام بتعريب قصة «أتلا» للكاتب الفرنسي المشهور شاتوبريان، وطبعت في بيروت سنة 1882 حين كان سنه بقرب من العشرين.
أما رحلة «الشاب أنا شرسيس» فقد أثرت فيه تأثيرا عجيبا لأسلوبها الرفيع وموضوعها الطريف مما جعله يقتبس منها الفكرة ليكشف لنا عن عصر من عصور التاريخ الإسلامي متبعا في ذلك منهاج الكاتب الفرنسي المذكور، وإذا كان الكاتب بارتيليمي قد اختار لكتابه عصر الاسكندر الأكبر، فكاتبنا العربي اختار هو كذلك عصرا مشرقا من عصور الإسلام وهو عصر الخليفة هارون الرشيد الذي رفع الإمبراطورية الإسلامية إلى أعلى أوجها.
وقد سمى كتابه بـ «حضارة الإسلام في دار السلام» وهو عبارة عن مجموعة رسائل وصف فيها عصرا من عصور الإسلام «قد أشرق به نور العلم. وحرت فيه أعمال عظيمة قام بها رجال كبراء ملاوا العالم بآثار جمالهم. وجعلت الكلام فيها لرحالة فارسي (6) طوقته مناصب الدولة برعاية البرامكة إلى أن نكبهم الرشيد كما تراه في موضعه من الكتاب ... » (7)
ويقول جميل مدور في آخر مقدمة الطبعة الثانية لكتابه: « .. قد عقدت النية إجابة لرغبة علماء المسلمين ممن تفضلوا باستحسان هذا الكتاب على متابعة سرد التاريخ الإسلامي في شكل هذه السلسلة من الروايات. وتنسبقها في مثل هذا السمط من درر الآيات البينات» (8).
وحضارة الإسلام في دار السلام تحتوي على عشر رسائل:
الرسالة الأولى كتبها الرحالة فم النهروان سنة 175? / 773م في نهاية أمرة الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور (136 - 158? / 753 - 775م)
يبدأ حديثه فيها بذكر قدومه إلى العراق، ولقائه لبعض علمائها، ثم يتحدث عن البصرة وأماكنها المشهورة ووصف عمرانها، وصبر أهلها على طلب العلم، وكما يتكلم عن العرب البادية ويأتي بنتف من أخبارهم ويمضي متكلما عن انفصاله عن البصرة حتى يأتي بلمحة عن أخبار الحجاج، وأخيرا يتحدث عن مروره بمدائن كسرى انو شروان، ويتضمن وصف إيوان كسرى وتخطئة الخليفة أبي جعفر في تخريبه، وان حفظ الأثر الجميل لجميل اثر للمموك الغالبين.
(4) كتاب Félémaque هو عبارة عن مغامرات قصصية كتبها الراهب الفرنسي Fénelon وطبع لأول مرة سنة 1699م. أما المؤلف فينتمي إلى عائلة نبيلة فرنسية ولد ببوغود سنة 1651 ومات في كمبراغ العربية في القرن الماضي. سنة 1715م. وقد ترجمه الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى
(5) من الكتاب الفرنسيين، عاش في القرن الثامن عشر ومات سنة 17
(6) شاب فارسي مسلم من هرمز بالخليج الفارسي، خرج من مسقط رأسه سنة 156? / 773م منوجها إلى بغداد لطلب العلم. ومنذ بداية رحلته اعتاد أن يكتب إلى صديق له في فارس.
(7) انظر مقدمة الطبعة الأولى للكتاب.
(8) انظر طبعة جريدة المؤيد للكتاب، مصر 1323? / 1905م.