تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يذكرها ابن النديم في فهرسته (أواخر القرن الرابع الهجري) ونجدها بعد ذلك ببضع سنين مذكورة في كتاب تحث هذا العنوان «قصص الأنبياء» لأبي إسحاق الثعالبي، المتوفى سنة (427 هـ - 1035 م)، وهل يمكننا أن نبحث عن المنشأ الحقيقي للقصص التاريخية في «أيام العرب»؟ 2، وقد نجد في كتاب «مروج الذهب» للمسعودي، المتوفى سنة (346 هـ - 957 م) معلومات واضحة في هذا الموضوع، تبين لنا كيف كان الخليفة معاوية يقضي بعض أوقاته الليلية في سماع أخبار العرب وأيامهم فيقول المسعودي: « ... ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب (أي معاوية) وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعايتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطرف الغريبة من عند نسأله من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم.» 3.

فأيام العرب التي كانت موضوع اهتمام، منذ القديم، من طرف اللغويين والنحاة مثل أبي الأسود الدؤالي، والخليل بن أحمد، والأصمعي قد جمعها ورتبها ثم لخصها الكاتب الأندلسي المعروف ابن عبد ربه المتوفى سنة (328 هـ - 939 م) في كتابه العقد الفريد، فمن أيام العرب ومن كتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني، استقى المستشرقون الأوربيون وخصوصا منهم فرنسل وكوسل دو بير سفال جميع معلوماتهم عن تاريخ العرب قبل الإسلام.

بعد هذا يأتي بيريس بآراء وملاحظات حول أيام العرب والسير والقصص ويؤكد بأن كل هذا يعتبر من جانب اللغويين والنحاة والمحدثين وشراح القرآن والسنة.

أن القصة التاريخية لم توجد في الأدب العربي في القرون الوسطى، وقد كان من اللازم أن ننتظر القرن التاسع عشر التي ظهرت فيه القصة التاريخية بفضل الحركات الثقافية والعلمية التي عملت على انبثاقها المؤسسات الدينية التبشيرية من البروتستانت والكاثوليك الأمريكية والبريطانية والفرنسية في سوريا. وقد اتخذت هذه المؤسسات الدينية الغربية اللغة العربية لنشر الثقافة والمعرفة الأوروبية بواسطة مؤسساتها التربوية.

ففي أوائل القرن التاسع عشر بدأت أعمال المبشرين الأمريكيين، إذ بعد مجيئهم من جزيرة مالطة استقروا في بيروت وفتحوا أول مدرستهم البروتستانية ثم انتشروا شيئا فشيئا في ربوع سوريا ولبنان وفلسطين حيث أسسوا المعابد والمدارس والمكتبات والمطابع والمستشفيات حتى ظهر الكاثوليكيون الفرنسيون في هذا الوسط التبشيري، ومن بينهم اليسوعيون والعزاريون الذين انضم إليهم فيما بعد الآباء الدمينكان والآباء البيض، أما المدارس التي أسسها المبشرون الأمريكيون نذكر بالخصوص منها كليتهم الطبية فالمطبعة والمرصد والمستشفى ومؤسسات أخرى علمية كانت تقوم بنشر المعرفة بين الطبقة السورية واللبنانية، المسيحيين منهم على الخصوص.

ولهذا فالنهضة الأدبية العربية وتجديد كلمات المعجم من طرف اللبنانيين يرجع الفضل فيها إلى الأثر الذي خلفته تلك المدارس والمؤسسات الغربية الدينية.

كما أن أحسن مظاهر هذه الحركة نجدها ضمن التراث الفكري الذي خلفه لنا ناصف اليازجي وأحمد فارس الشدياق اللذان تكونا وأعينا من الناحية المادية والفكرية والخلفية في هذه المؤسسات.

أما مناهج التعليم لهذه المدارس فكانت تشمل اللغة الإنجليزية والفرنسية، زيادة على اللغة الإنجليزية و الفرنسية، زيادة على اللغة العربية وآدابها، ودراسة هاتين اللغتين الأجنبيتين كانت تلقن مباشرة بواسطة مطالعة النصوص الأصلية لأدباء غربيين مثل سوبفت و والتر سكوت وشكسبير من

2 - أنظر مقال ميتيوش في دائرة المعارف الإسلامية، ج 1، ص3 - 222.

3 - كتاب مروج الذهب، ج 2، ص 332، مط، دار الرجاء، سنة 1357 هـ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٥٧