تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما يعتمد في ذلك على جماعات من رجال الدين - ولا دين - لتخدير العقول وقتل الهمم، واخماد كل دعوة كريمة تستحث على النهوض والانبعاث في ضوء تعاليم الاسلام الصحيحة المتجددة الحية. اولئك «العلماء» الذين اعتمد عليهم الاستعمار كانوا يتهمون بالكفر والوندقة والمروق عن الدين كل مسلم ناهض يحاول ان يبصر قومه بواقع انفسهم الاليم وان يدعوهم إلى الجهاد اعلاء لكلمة الحق التي هي كلمة الله، وإلى التحرر من الخوف والخمول والعبودية والاستعمار. وقد كان هذا الموقف الاثم من هؤلاء الادعياء من الاسباب الرئيسية التي شككت الشباب في صلاح الدين، وملاءمة تعاليمه السمحة للتطور والتجديد اللذين هما من سنة الله؛ فوقف هؤلاء الشباب حائرين بين موكب المدنية والحياة الذي يتقدم إلى الامام، وبين كتائب الرجعية الدينية المنهزمة، في النظار من يبصرهم بحقيقة الأشياء.

ومن جهة أخرى اقبلت طائفة من شباب المغرب، اتيح لها نصيب من المعرفة والثقافة، على مناهل الغرب تنهل منها كل شيء حتى ما له مساس بالإسلام، دين هذه الطائفة من شبابنا التي اخذت تلتقط من كتاب الغرب ومستشر فيه، ما يثوه في مؤلفاتهم وأبحاثهم من افكار مبيتة ضد الإسلام تاثر بها هؤلاء الشباب إلى حد بعيد، فأصبحوا خطرا، طائعين او كارهين، على حقيقة الدين الجوهرية، يقوضونها بأقوالهم وافعالهم وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا. وتلك معركة أخرى من المعارك المهلكة التي خاضها الغرب ضد العالم الاسلامي، وهي معركة الثقافة والفكر التي يقول عنها عالم فاضل هو الأستاذ محمود شاكر بانها كانت اعنف من المعركة التي وقعت بين العالم الإسلامي والغرب في ميدان الحرب، «واشدها تقويضا للحياة الاسلامية، والعقل الإسلامي». لقد انقلب كثير من شباب هذه الامة أعداء للإسلام وهم لا يشعرون، لان المعول الهدام في الثقافة الغربية قد عمل عمله في تقويض عقولهم، وافساد عقائدهم، حتى اصبحوا عاجزين كل العجز عن التوفيق بين فروض الدين، ومقتضيات الحياة العصرية ومتطلباتها، وغير قادرين على مجابهة الواقع بشجاعة، ورغبة في معرفة الحقيقة الناصعة التي لا يشوبها غبار الشك، ولن أكون مبالغا ان قلت بان ازدراء الدين اصبح ديدن شباب غرهم بهرج الحضارة الغربية وقشورها، فتنكروا لدينهم وقوميتهم، وفقدوا بسبب ذلك شخصيتهم.

ومن جهة اخرى أصبحنا نرى القيم الأخلاقية الكبرى التي تعد من فضائل الاسلام، نتقوض من تحتنا ونحن غافلون: افلام الدعارة العارية المكشوفة تعرض على انظار نسائنا ورجالنا واطفالنا ونحن لا نحرك ساكنا؛ والخمارات تفتح من حولنا ولا تهزنا الغيرة الاسلامية، والقرآن فخرنا، وحجة الاسلام الكبرى، دستور اخلاقنا وعبادتنا ينتقص من حرمته فلا تثور نفوسنا، ولغتنا القومية تداس فلا نثبت وجودها، ولا نحمي ظهرها الا بالكلام الذي لا يجدي ولا يفيد.

كل هذا يحدث، وشبابنا حائر مخدوع لا يكاد يتبين طريقه، وبينه وبين مشكلته الكبرى التي تتطلب العلاج والحل السريع سنار مسرود من الباطل والمهاترة.

فعلى الشباب ان يراجعوا انفسهم ويحاسبوها، وعلى اولئك القادرين منهم على القيادة والتوجيه ان يؤدوا رسالتهم الثقيلة العبء بالدعوة والارشاد والاسوة الحسنة، والعمل المنتج الكفيل بان يجعل من هذه الامة وطنا مغربيا ناهضا، وجزاءا حبا نافعا من الدولة الاسلامية، وعضوا بارزا مباركا في الجماعة الانسانية الكبرى يساند الحرية والسلام في غير ذلة ولا صغار ولا تبعية ... ذلك ما يباركه الله ويرضى عنه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٥٥