المشكلة القومية
اما المشكلة التي تنصهر فيها مشاكل الشباب العاطفية والاجتماعية والثقافية، فهي «المشكلة القومية» التي تشغل بال الشباب الناهض الحي في كل آونة ولحظة، وتبدا هذه المشكلة بما نراه ونلمسه من تباين خطير في التكوين والافكار والمقاصد والمثل العليا، ومن اعراض كثير من شبابنا المتعلم تجاه قضية تعريب الادارة والتعليم، ومغربة مصالح الدولة، وتتجلى هذه المشكلة ايضا في قضية الجلاء وتطهير البلاد من الاحتلال الاجنبي، ورفع قيود التبعية عن اقتصادنا القومي، واستثمار ثروات البلاد وخيراتها خير استثمار لرفع مستواها المادي والانساني، وتتجلى ايضا في قضية الجزائر المكافحة الشقيقة، التي تخوض ضد الاستعمار الفرنسي اعنف حرب، ويتحمل ابناؤها الابطال كل ضروب التضحية والصبر والنضال في سبيل تحرير الوطن الجزائري العزيز؛ كما تتجلى هذه المشكلة ايضا في علاقة المغرب ببقية اقطار العروبة والاسلام، وموقفه من مشاكلها الداخلية والخارجية.
فهل يعي الشباب المغربي هذه المشكلة القومية، ويحيط بتفاصيلها واسرارها، ويعمل على رفع ما ينتج عنها من اضرار بشخصية المغرب وكيانه الاسلامي العربي؟ هل يشعر شبابنا بقومية بلاده ويعتز بها، ويعمل على تاكيدها وتحريرها وتخليصها مما يراد بها من المحو والابادة؟
الحقيقة ان شباب المغرب مقصرون في هذه الناحية تقصيرا كبيرا، فالذين نالوا منهم قسطا من الثقافة الغربية، وخاصة الفرنسية، لا يابه معظمهم للقومية الاسلامية العربية، بل انهم يرمونها بكل قصور، وينقصون من شانها؛ بينما يقف بقية الشباب الذين تعلموا تعليما عربيا، مكتوفي الايدي، مكمومي الافواه، لا يعملون شيئا في سبيل ترسيخ دعائم القومية التي نعتز بها، وتسفيه احلام خصومها، والقضاء على ما عمل الاستعمار طيلة نيف واربعين سنة على تثبيته في الادهان من افكار خطيرة ضد الاسلام ومبادئه وثقافته.
وشبابنا مقصرون كذلك في مسالة كفاح الجزائر وجهاد ابنائها، لا يهتم معظمهم بتتبع اخبارهم، والتعرف على الحقيقة ما يعانيه رجالها الابطال من البلاء والتحمل. وما يقوم به الفرنسيون المستعمرون في القطر الشقيق المجاهد من اعمال وحشية، وتصرفات مخلة بالكرامة الانسانية. ولن اقول شيئا عن تقصيرنا في مساعدة الجزائر وابنائها المساعدة المادية والمعنوية الفعالة المستمرة، لانه تقصير مخجل لا يرضى عنه الله الذي شرع للمسلمين الجهاد بالاموال والانفس، واراد منهم ان يكونوا امة متماسكة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
ثم ان شبابنا مقصرون ايضا في تتبع ما يعصف باقطار العروبة والاسلام الشقيقة من تقلبات، وما يعتريها من احوال داخلية وخارجية، ولا يجهدون انفسهم في التمييز بين الحق والباطل في قضايا العروبة والبلاد الاسلامية، بل يندفعون كثيرا بعواطفهم من غير تدبر ولا روية.
قضية الدين
ربما تكون قضية الدين ابرز المشاكل التي يعانيها الشباب المغربي في الوقت الحاضر؛ وهو يجتاز بسبب هذه المشكلة ازمة نفسية حادة، واضطرابا خلقيا كبيرا.
ان معظم شبابنا لا يؤدي واجباته الدينية على الوجه الاكمل، يستوي في ذلك المتعلمون منهم وغير المتعلمين؛ والاغلسبية الساحقة من هؤلاء الشباب لا تؤمن ايمانا اقتناعيا واعيا بالدين وبرسالته. فالمتعلمون لا يجدون في انفسهم الشجاعة الكافية لمجابهة المشكلة الروحية ومعالجتها، للتوفيق بين تعاليم الاسلام الصحيحة، ومقاييس العصر وقوانينه الخلقية والاجتماعية والانسانية، واستخلاص نظام للحياة يتفق وتلك التعاليم، ويساير التطور البشري الذي هو ضرورة احدثها تقدم العلوم والفنون والصناعات في العصر الذي نعيش فيه. اما غير المتعلمين فانهم لا يعلمون من حقيقة الدين شيئا، فهم مسلمون بالتبعية وحكم الاسرة والبيئة، جاهلون بحقيقة الدين وجوهر تعاليمه جهلا يكاد يكون تاما.
ولعل اسباب ذلك تكمن اولا وقبل كل شيء في جذور الماضي القريب والبعيد: الماضي البعيد الذي كان الجهل فيه متفشيا، والخرافات مسيطرة على هذه الامة، حيث كان يتولى معالجة شؤونها الروحية طائفة من الرجال الجامدين نصبوا انفسهم لحماية الدين والتكلم باسمه، وكانوا ادوات طبعة في يد الرجعية والتاخر حتى اصبحت رسالة الدين في ايديهم جامدة ميتة لا اثر للحياة والانطلاق فيها. والماضي القريب، ايام الحماية، حيث اعتمد المستعمرون على هذه الطائفة الجامدة، فاستعملوها لتثبيت جذور الجهل والرجعية والانحطاط الفكري والخلقي في هذه الامة لتبقى فقيرة مريضة، منفرقة الكلمة. واننا لنذكر ان الاستعمار كان يعتمد اكثر