تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتستطيع ان تضيف إلى هذه الاحوال الخاصة، قضايا «التعليم في المستعمرات» بالنسبة إلى الدول المستعمرة ايضا، وذلك لان هناك تتغلب مصالح الدولة المستعمرة على كل شيء، وتعتبر لغة الدولة المذكورة اللغة الرسمية في البلاد، ولا تؤسس المدارس الا لغرض تنشئة «العمال والموظفين» الذين تحتاج اليهم مصالح حكومة الاستعمار ومرافقها، ومتاجر المستعمرين ومعاملهم، ولذلك يعتبر (تعليم اللغة الاوروبية الرسمية) الهدف الرئيسي للمدارس، فلا يلتفت لا إلى مصالح الاهلين ولا إلى مبادئ التربية والتعليم.

واذا استثنينا امثال هذه الاحوال الشاذة - الناتجة من الاعتبارات السياسية، كما قلنا - نستطيع ان نؤكد: ان مدارس المرحلة الاولى من التعليم لا تدرس لغة القومية بوجه عام ...

وخلاصة القول: ان اللغات الاجنبية ليست ضرورية في المرحلة الاولى من التعليم، وفضلا عن ذلك يجب ان يلاحظ ان تعليم اللغات الاجنبية في المرحلة الاولى من التعليم لا يخلو من الضرر ايضا: لان تعليم لغة اجنبية لتلاميذ لم يتقنوا بعد لغتهم القومية، لا يتفق مع قواعد التربية الصحيحة، وينافى مبادئ التربية القومية السليمة.

اذ من المعلوم ان «تجزئة المشاكل ومعالجتها واحدة بعد اخرى» يعتبر من اوليات قواعد التربية والتعليم، ولا حاجة إلى البرهنة على ان تعليم الصغار قواعد لغتين مختلفتين في وقت واحد يخالف هذه القاعدة الهامة مخالفة كبيرة، وهو يشوش اذهان التلاميذ، ويرهق عقولهم، ويعيق نموهم الفكري من جراء هذا التشويش والارهاق.

هذه حقيقة ثابتة من الابحاث والتجارب التي قام بها عدد غير قليل من رجال التربية وعلماء النفس في مختلف البلاد الاوربية.

ان ارادة المعارف في مقاطعة جنيف في سويسرة، درست المشاكل التي تنتج من تعليم الاطفال الصغار لغتين مختلفتين في وقت واحد، واستعرضت التجارب والابحاث التي اجريت في هذا السبيل، فقررت في الاخير ان لا تدرس لغة ثانية، قبل السنة السادسة من الدراسة الابتدائية.

ولكي تقدر اهمية هذا القرار حق قدره، يجب الا ننسى ان مدينة جنيف من اشهر المدن العالمية التي تزدحم فيها الاجناس ويجتمع فيها الاجانب، كما يجب ان نتذكر ان مقاطعة جنيف تنتسب إلى الاتحاد السويسري الذي يعتبر اللغات: (الفرنسية والالمانية والايطالية («رسمية» في وقت واحد، وعلى حد سواء.

وفي الاخير، يجب ان يلاحظ ان الاضرار التي تنتج من تعليم الصغار لغتين في وقت واحد، تكتسب خطورة خاصة بالنسبة إلى اولاد الناطقين بالضاد، وذلك لعدة اسباب:

اولا: ان اللغة العربية كثيرة التعقيد في حد ذاتها، والخط العربي كثير المشاكل في حد ذاته، ولذلك لا مجال للشك في ان تعليم قواعد هذه اللغة وهذا الخط يتطلب من اطفال العرب جهدا ذهبيا اكبر بكثير من الذي تتطلبه سائر اللغات والخطوط الاوربية.

ثانيا: ان الفروق الموجودة بين اللغة العربية وبين اللغات الاوربية التي يراد تدريسها في المدارس العربية اكبر بكثير من الفروق الموجودة بين مختلف اللغات الاوربية.

ثالثا: ان الطفل العربي يضطر إلى تعليم اللغة الفصحى في المدرسة، ومن المعلوم ان الفروق القائمة بين اللغات الدارجة وبين اللغة الفصحى ليست من الفروق الضئيلة، وهذا ايضا يكلف التلميذ العربي جهودا تفوق الجهود التي يتكلفها امثاله الاوربيون. ولهذه الاسباب كلها، نستطيع ان نؤكد: ان الاضرار التي تنتج من تعليم لغة اجنبية في مدرسة ابتدائية، تكون اكثر واعظم من الاضرار التي تنتج من امثال ذلك في البلاد الاوربية.

ان الذين لا يزالون يتمسكون بمبدا تعليم لغة اجنبية في المدارس الابتدائية يقولون: ان حاجتنا إلى اللغات الاجنبية اكبر من حاجة الاوربيين اليها.

ولكنا نقول ردا على هذه الملاحظة:

ان هذه الحاجة يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار في مدارس المرحلة الثانية من التعليم، لا في مدارس المرحلة الاولى.

ان هذه الحاجة تستوجب الاعتناء باللغات الاجنبية في المدارس الثانوية والمدارس المهنية والمعاهد العالية. ولكنها لا تبرر قط تعليم اللغات الاجنبية في المدارس الابتدائية)

فما راي وزارة التهذيب الوطني، وما راي اللجنة الملكية للتعليم؟؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٥١