اذ جاء في هذه البيانات ما ياتي بالنص:
ان فكرة حذف اللغات الاجنبية من مناهج المدارس الابتدائية صادفت معارضة شديدة ومقاومة عنيفة من بعض البيئات ...
لقد ظن المعارضون ان هذه حركة ارتجاعية تبعد البلاد عن الغرب، وتعزلها عن الحضارة الغربية، وتؤدي إلى انحطاط مستوى الثقافة فيها، وقد حاول هؤلاء ان يبرهنوا على حجة مزاعمهم هذه بالتكلم عن اهمية اللغات الاجنبية، وعن ضرورة الاتصال بالثقافة الغربية.
ولكن هذه المزاعم لا تقوم على أي اساس صحيح: لان حذف اللغات الاجنبية من مناهج الدراسة الابتدائية لا يعني اهمال هذه اللغات في سائر مراحل التعليم، فالبحث عن اهمية اللغات الاجنبية لا يبرهن على أي شيء كان في هذا الموضوع.
اننا لا ندرس في المدارس الابتدائية - مثلا - علم الاقتصاد، فهل يعني ذلك اننا لا نقدر اهمية هذا العلم، واننا نريد ان نحرم البلاد من فوائد علم الاقتصاد؟ وكذلك اننا لا ندرس فن الجراحة في المدارس الثانوية، فهل يعني ذلك اننا لا نقدر اهمية هذا الفن، ونضع بيننا وبينه سدا منيعا؟
ان كل مادة تدرس في المدارس لغاية خاصة، وفي الصفوف التي تستطيع ان تحقق تلك الغاية. وعندما نبحث في الواقع الذي نعطيه لكل مادة من المواد، ولكل علم من العلوم في مناهج الدراسة، يجب علينا ان نتساءل:
اولا: ماهي الغاية المتوخاة من تدريس ذلك العلم وتلك المادة؟
وثانيا: متى - في اية مرحلة من مراحل التعليم، وفي اية سنة من سنى الدراسة- يجب تدريس ذلك العلم وتلك المادة، لتحقيق الغاية المذكورة؟
وعندما نريد ان نقرر الموقع الذي يجب ان نخصصه لتعليم اللغات الاجنبية في مناهج الدراسة يترتب علينا ان نسير على خطة مماثلة لذلك، فنتساءل اولا:
ما هي الغاية من تعليم اللغات المذكورة؟
ونفكر بعد ذلك، فيما اذا كانت الغاية المذكورة تستوجب تعليم اللغات الاجنبية في المدارس الابتدائية.
ان تعليم لغة من اللغات الاجنبية يهدف إلى غايتين اساسيتين:
اولا: غاية عملية. وهي الفوائد المباشرة التي تحصل من جراء استعمال اللغة الاجنبية في المعاملات المختلفة، تكلما او كتابة.
ثانيا: غاية ثقافية. وهي الفوائد التي تحصل من تعلم اللغة المذكورة عن طريق توسيع المدارك من جهة، والاستفادة من الكتب الادبية والعلمية المكتوبة بتلك اللغة من جهة أخرى.
ومن البديهي: ان الغاية الاولى تتطلب تدريس اللغات الاجنبية في المدارس التجارية، والغاية الثانية تتطلب تدريس تلك اللغات في المدارس الثانوية، ولكن لا الغاية الاولى ولا الغاية الثانية تستلزم تدريس اللغات الاجنبية في مدارس تؤسس لاجل تعليم ابناء الشعب، ولهذا فانها تحصر اعمالها وتدريساتها في الامور التي يحتاج اليها جميع الناس، والتي لا يستغني عنها احد، مهما كانت المهنة التي سيمارسها، فيما بعد.
ومن الامور البديهية ان اللغات الاجنبية لا تدخل في نطاق هذه الامور:
انها لم تكن من الامور التي يحتاج اليها جميع افراد الشعب والتي لا يستغني عنها احد، ولهذا السبب يجب ان تبقى خارجة عن تدريسات مدارس المرحلة الاولى من التعليم.
هذه حقيقة ناصعة، يعترف بها جميع رجال التربية في جميع انحاء العالم المتمدن ...
فاننا اذا استعرضنا مناهج الدراسة الابتدائية الموضوعية في مختلف البلاد الاوربية، نجد انها تقدر هذه الحقيقة حق قدرها، فلا تدخل في هذه المناهج لغة غير اللغة القومية. ولا تشذ الدول عن هذه القاعدة العامة،- ولا تدرس في مدارس المرحلة الاولى من التعليم لغة ثانية- الا في بعض الاحوال الخاصة، وذلك لاعتبارات سياسية محضة.
ان الاعتبارات السياسية تعمل عملها في هذا الشان في البلاد التي تتعدد وتتشابك فيها اللغات البيئية تشابكا يضطر الحكومة إلى تقرير لغتين رسميتين، ولا اراني في حاجة إلى القول: ان في تلك البلاد تصبح «معرفة اللغة الثانية» ضرورة لجميع المواطنين، فتدخل لهذا السبب في مناهج الدراسة الابتدائية.