والسوريين ضد الرومان، وفي العصر الوسيط والحديث كان صراع بين العرب والغزاة المغول والتتار وبينهم وبين الصليبيين والبرتغال والأسبان، وكذلك الصراع ضد العثمانيين الذي تبلور في الثورة العربية الكبرى سنة 1916 وضد الأجانب في شمال إفريقيا والشرق، ومما يدل على حيوية هذا الشعب وقدرته على الكفاح الثورة المصرية التي قامت ضد محترفي السياسة والكفاح في سوريا ضد الدكتاتورية وفي المغرب ضد أذنابه، ولا زلنا نشهد إلى اليوم كفاحا جبارا يخوضه الشعب الجزائري والعماني، وأن قبوع اللاجئين الفلسطينيين في خيامهم الممزقة ينتظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى بلادهم ويرفضون جميع الحلول لإقرار سلام أو تسوية لهو أعظم دليل على قوة هذا التصميم.
هذه هي مظاهر القوة المستقبلة للعرب: كيان اقتصادي جبار، وضع استراتيجي مرموق، قوة فكرية ومعنوية وفر هائل في الرجال وقدرة نضالية لا تعرف الحدود، فهل بدا العرب يا ترى في قطع الأشواط الأولى في هذا الطريق؟.
لقد وعدوا في الحرب الأولى بدولة عربية واحدة، ولكن النتيجة كانت تقسيم البلاد العربية وإقامة إسرائيل، وإزاء الإلحاح والنضال والدعوة إلى العصيان على «الواقع» الذي هو التجزئة وشجب الكيانات السياسية بدا الاستعمار البريطاني الذي عرف بنظريته في الاستعمار الواقعي في تصعيد هذه العواطف التي خاف أن تتبلور في حركة قومية عارمة، فأوعز بتأسيس دولة سوريا الكبرى ولكنه فشل تم قامت فكرة الهلال الخصيب لضم سوريا إلى العراق وفشلت هي الأخرى ثم وقع ضم فلسطين إلى الأردن سنة 1948، وفي تلك الأثناء كانت الجامعة العربية تتبعثر في خطيئانها وضعفها فلم تستطع أن تؤدب عصابات اليهود أو أن تنفذ مشروعا هاما واحدا والسبب في ذلك هو الأصابع التي كانت تحرك دولها من تحت في ذلك الوقت.
غير أن أوضاع البلاد العربية تغيرت الآن عن ذي قبل فقد ثارت مصر والعراق ولبنان ومات الملك عبد الله واستقلت ليبيا والمغرب وتونس والسودان واجتمع الجميع بروح جديدة وآمال جديدة ورغبة حقيقية في ذلك التعاون، فوقعت معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة وظهرت الاتحادات الثنائية والانضمامات الكاملة، وتباشر الجامعة هذه الأيام دراسة مشاريع للوحدة الاقتصادية بين العرب ولإقامة السوق العربية المشتركة وشركتي الطيران والبحرية العربية ..
نعم هذا هو البرهان الأول على أن العرب سائرون في هذا الطريق: الوحدة العربية.
أما البرهان الثاني فهو حركة التصنيع التي توجد في كل مكان وأما البرهان الثالث فهو وضوح مكانة العرب في المجال الدولي فقد أشتد التنافس على البلاد العربية منذ الحرب الأخيرة، فأصدرت انجلترا وفرنسا وأمريكا البيان الثلاثي الذي يحافظ على حدود الدول العربية ولا يسمح بأن تربح دولة شيئا على حساب الأخرى، واستدرجت مصر سنة 1952 لتوقيع معاهدة الدفاع المشترك، وفرض حلف بغداد على شعب العراق، ولكن تصميم العرب على عدم جعل بلادهم قاعدة للعدوان جعلهم يتحدون الدول العظمى ويعتنقون الحياد وعدم التبعية، ولم تعجب هذه السياسة دهاقنة الاستعمار وكادوا يشعلون حربا عالمية ثلاث مرات بسببها مرة في عام 1956 عندما أممت القناة ومرتين في عام 1958 عندما نزلت الجيوش الأمريكية ثم الانجليزية في لبنان والأردن
*
هذه هي عدة العرب في بناء المستقبل، وهذا سبيلهم إلى القوة والمجد، لقد رسم المستعمر الحدود بين المناطق العربية وأقام الدويلات، فلم نقوم بحراستها والتغني بقدسيتها وتخليد كياناتها، أن الدول الميكروسكوبية كانت دائما هدفا للعدوان وتقع دائما تحت رحمة الدول الكبرى.
وقد انهزم العرب في فلسطين رغم أنهم كانوا سبع دول لسبب بسيط هو أنهم كانوا سبع دول.