لاشك - عندما نصل إلى ذلك - في أن مركز الصناعة سينتقل من اروبا إلينا وستصبح مصانع أروبا متاحف يرى السائح فيها حالة الصناعة في النصف الأول من القرن العشرين.
وعن العنصرين الآخرين من عناصر القوي المحركة وهما الكهرباء والفحم فإنهما لم يستغلا في الوقت الحاضر استغلالا كافيا، والمشاريع فيهما أكثر من المنجزات فالمغرب مثلا يوجد فيه اثنا عشر سدا لتوليد الكهرباء والري يبلغ إنتاجها جميعا 700 مليون كلوات ساعي، ولكنه لا زال يستخرج الكهرباء من الفحم في جهات كثيرة.
وفي مصر ستتم كهربة خزان أسوان في سنة 1960 ليعطي (1950 م. ك. س) أي ما يقارب سد بين الويدان عندنا ويجري هناك أيضا بناء السد العالي على خمسة مراحل تكلف المرحلة الأولى فقط 500 مليار من الفرنكات، وعندما ينتهي بناؤه بعد خمسة عشر عاما سيكون أعظم خزان ومولد في العالم كله.
وأما الفحم فهو يوجد في كل مكان من بلاد العرب وخاصة في العراق والمغرب وتجري تحريات عنه في مصر واليمن، وأما المعادن فهناك الحديد في المغرب ومصر والمنغنيز والكوبالت والزنك ينتج المغرب وحده منها عشر ما ينتجه العالم بأسره كما أنه يأتي بعد الولايات المتحدة في إنتاج الفوسفاط، ولا يمكن حصر بقية المعادن وأماكن وجودها وكميتها الاحتياطية ولكننا إذا أخدنا المغرب وحده كمثال على الفاعلية المعدنية عند العرب نجد أنه يستغل على نطاق تجاري ستة وعشرين معدنا هاما يبلغ إنتاجها العام أربعين مليون طن في عام 1958.
ومن هذه اللمحة نرى أن البلاد العربية توجد فيها جميع المعادن المتعددة في الصناعة والقوى المحركة اللازمة لها فهي لا تشكو ا فرنسا من وفرة الحديد وقلة الفحم أو ما تشكوه جميعا من انعدام البترول ...
إن العقبات التي تقف في طريق التطور الصناعي في بلاد العرب يمكن التغلب عليها لأنها غير أساسية أو رئيسية ويمكن إجمالها فيما يلي:
1) الحاجة إلى تجهيز صناعي: وإن هذا التجهيز قد بدا على ساق الجد في غير ما موضع وخاصة في الجمهورية العربية والمغرب فهناك مشروع خمس سنوات لتصنيع الإقليم الشمالي بميزانية قدرها 73 مليارا من الفرنكات، ويهدف البرنامج إلى إقامة 43 مشروعا صناعيا يستفيد منها 100 ألف عامل، وأما برنامج التصنيع لخمس سنوات في مصر الذي ينتهي في عام 1960 فيبلغ رأسماله 325 مليارا من الفرنك.
وقد سار المغرب في نفس الطريق فأعدت وزارة الاقتصاد برنامج التسيير لسنتي 1958 و 1959 ثم وضعت برنامجا للنهوض الاقتصادي مدته خمس سنوات سيدخل في التنفيذ اعتبارا من هذه السنة.
2) وأما العقبة الثانية في طريق التصنيع فهي ندرة اليد الخبيرة وهذا أمر لا يمكن أن يستعصي طويلا.
3) رؤوس الأموال: غير أن موارد البلاد العربية الهائلة يمكن أن تمول المشاريع الإنمائية المختلفة وقد أنشأت جامعة الدول العربية بنكا عربيا لتمويل المشاريع الاقتصادية وتجهيزها، هذا وقد شعر العرب أخيرا بعد أن وضعوا مرارا تحت الحصار الاقتصادي الغربي، وبعد أن ظهرت أخيرا السوق الأوربية المشتركة بضرورة التعاون المثمر ضمن سوق عربية مشتركة تمهيدا للوحدة الاقتصادية الشاملة التي يدرسها اليوم المجلس الاقتصادي العربي.
لقد وضعت الدول الغربية قيودا على الاستيراد إليها، وخفضت بعضها من قيمة عملتها ووضعت أخرى قيودا نقدية، فما يؤخر العرب أن يقدموا على تكامل اقتصادي فيما بينهم مع العلم بأن ذلك ممكن من الوجهة العملية؟.
هذا عن قوة العرب الاقتصادية وهي معيار عالم اليوم ولكن مكانة العرب في عالم الغد لا يثبتها الاقتصاد اليوم ولكن مكانة العرب في عالم الغد لا يثبتها الاقتصاد وحده بل تقيمها أيضا قوتهم المكانية في العالم أي موقع بلادهم الاستراتيجي.
إن عقد الوصلات العالمية تحتكرها البلاد العربية وهي قناة السويس ومضيقي جبل طارق وعدن فيما يخص المواصلات البحرية، والدار البيضاء والجزائر والقاهرة وبيروت في مجال الاتصال الجوي والبحري، وقد كانت البلاد العربية منار حروب منذ القديم لموقعها الممتاز، ونتذكر على سبيل المثال الصراع بين الفرس والبزنطيين وبين الأتراك والانجليز والروس وبين الألمان والحلفاء، وأخيرا حرب السويس التي شبت بسبب تأميم مصر لقناتها البحرية، ولا زالت سحب الحرب الباردة والحامية تتلبد فوق الشرق