لقد رأينا في فقرات سابقة أن العقول موزعة بالقسطاط بين الناس وسنرى في الفقرات التالية أن إمكانيات العرب لا تقل عن إمكانيات غيرهم في المجال الاقتصادي والبشري عامة فالسبب إذا في التخلف الظاهر عن الركب الحضاري الحديث راجع لعوامل أساسية هي:
أولا الاختلاط: فلقد كان امتزاج العرب بغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام منشطا للحضارة العربية وباعثا لها كما كان من جهة أخرى سببا في اختفاء الخصائص العربية العشيرية والعصيبة التي هي عصب القوة والمنافحة كما يقول ابن خلدون، وشيوع التفسخ والتبذل اللذين طوحا بالدولة العربية في المشرق والأندلس، وانصراف العرب إلى اللهو والعبث عن النضال والحياة الفكرية العلمية، بذلك كله أخذت أسباب الضعف والانحلال طريقها إليهم، فكما كان للفرس اليد في تقويض الحياة الاجتماعية فقد عمل الترك الذين جلبهم المعتصم على تقويض الحياة السياسية والإدارية.
ويعتقد فيلسوف النازية (روزنمبرغ) في كتابه (أسطورة القرن العشرين) أن الاختلاط هو الذي طوح بحضارات الهند وإيران واليونان والرومان والمصريين، هذا هو العامل الأول: الاختلاط.
أما العامل الثاني: فهو الهجمات البربرية التي قام بها على المشرق المغول والتتار في الوقت الذي كان أسطول المغرب في صراع مع قراصنة أروبا.
والعامل الثالث: هو الهجوم الصليبي.
والعامل الرابع: هو الاستعمار التركي الذي ينعته المؤرخون والأدباء بصفة (عصر الانحطاط) لما تميز به من تعطيل للحياة الاقتصادية والفكرية.
وأما العامل الخامس: فهو الاستعمار الأوروبي الذي هدف إلى نهب البلاد العربية وتحطيم شوكتها.
وبعد فلنا أن نتساءل هل للعرب بعد هذه الغفوة وهذا التعفن أن يعودوا إلى أمجادهم فيفرضون وجودهم على غيرهم ويحتلون كالشعوب الأخرى مكانهم تحت الشمس؟ وهل في إمكانهم أن يصبحوا دولة عظمى في تاريخ المستقبل؟
توجد أمثلة كثيرة في التاريخ عن تحول شعوب ضعيفة هزيلة إلى دول من الدرجة الأولى فاليابان انقلبت قي ظرف قرن واحد من مجموعة إقطاعيات «سماوية» إلى دولة عظمى، والاتحاد السوفياتي كانت حاله في عام 1920 دون حالة العرب اليوم، ولم نذهب بعيدا فنحن العرب قد أقمنا صرح أعظم دولة في التاريخ خلال نصف قرن فقط بعد أن كنا مستضعفين متأخرين.
قد يضحك البعض من ذلك، وقد لا يصدقه آخرون وقد يتساءل فريق ثالث: هل يمكن أن تفوق في يوم ما الأوروبيين في مجال التفنن والتصنيع؟ وهل يمكننا أن نلحق بالأمريكيين في إمكانياتهم الاقتصادية؟ وهل يعقل أن نشبه روسيا في تقدمها العلمي والعسكري، وابريطانيا في سيطرتها على البحار واروبا في مجال التنظيم؟.
لا أريد أن أقول «نعم» قبل أن ترى الإمكانيات نفسها ففيها يمكن الجواب ويتحدد.
فما هي مكانة العرب الاقتصادية في عالم الغد؟.
إن أول ما يتبادر إلى الدهن هو البترول والمواد الخام، وينتج العالم العربي من البترول 150 مليون طن أي ما يقارب إنتاج الولايات المتحدة وأكثر من إنتاج فنزويلا وروسيا وليست أهمية البترول العربي في أنه أكثر أو أقل من إنتاج تلك الدولة أو هذه بل أهميته تأتي من الأمور الآتية:
1) وفرة الاحتياطي المخزون تحت الأرض في الوقت الذي تجف كل سنة آبار البترول في أمريكا وروسيا.
2) قرب البترول العربي من أماكن الاستهلاك أي أروبا الغربية والشرق الأقصى، ونحن نعلم كيف تأثر العالم الغربي من أزمة حرب السويس التي سدت في وجهه منافذ البترول.
3) تكاليف الإنتاج البخسة وقد قدر أن برميل الزيت في أمريكا الشمالية يكلف 78 سنتا وفي أمريكا الجنوبية 43 سنتا وفي البلاد العربية 10 سنتات فقط.
4) غزارة إنتاج الآبار المكشفة وهي ما يوضحها المثال الآتي:
تنتج بئر في الولايات المتحدة 11 برميلا، وفي فنزويلا 230 برميلا وفي البلاد العربية 400 برميل في اليوم، فهذه المادة التي تتزايد الحاجة إليها في العالم تضعها الأقدار في يدنا كعنصر من عناصر قوتنا في المستقبل، ولنا أن نتصور أنفسنا وقد أقمنا صناعات هائلة وأممنا البترول ومنعنا سيلانه إلى خارج حدودنا