تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وراء الاكتفاء الذاتي، ولكن الشيء الذي لا يزال موضع شك عند بعض شبابنا هو الفائدة العاجلة المباشرة الكامنة وراء اتحادنا مع الأقطار العربية الأخرى، ولا يستغرب ذلك في زمن السرعة الذي تعيش فيه، ولا في شباب شعبنا الذي أصبح الآن فقط - بعد أن ناضل في سبيل الاستقلال السياسي - متفرغا للتفكير فيما يوجد وراء حدوده الدولية

لقد مر أخوننا في سوريا ولبنان ومصر في نفس الطريق عقب حصولهم على الاستقلال، فسوريا التي هي اليوم بحق قلب العروبة النابض ظلت حتى سنة 1948 لا تفكر إلا في الاتحاد على شاكلة سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب، وقد كان الحزب (القومي السوري) آنذاك أقوى حزب نضالي، وكانت الفكرة التي يعتنقها أن السوريين ليسوا عربا، ثم لم يلبث الشعب أن أدرك أن جذوره لا توجد تحت أرضه فقط، وأن مصيره لا يمكن أن يقرر في دمشق أو بيروت كما لا يسمح له أن يقرر في لندن أو باريس أو واشنطون. وعليه فقد اجتازت الفكرة ظروفا صعبة قبل أن تتشبث وتتدعم في سوريا، وقبل أن تنتقل بعد ذلك إلى العراق والأردن ومصر والخليج العربي والمغرب العربي.

وليس الآن مجال للتحدث في بحوث نظرية تتناول القومية العربية ومقوماتها بل أن الموضوع الذي أحب أن أعالجه هو تلمس أسباب القوة التي تتوافر غليها هذه المجموعة الغربية وكيف يمكن تفجيرها وتحويلها إلى طاقات تفيد منها المجموعة كلها.

وقبل أن نحلل عناصر تلك القوة يجدر بنا أن نتساءل: هل يستطيع العرب أن يتغلبوا على مظاهر التخلف عندهم ويستفيدوا من إمكانياتهم ويصبحوا مجتمعين في مصاف دول العالم العظمى؟ ليست الثقة بالنفس وحدها هي التي يجب أن تدعونا للجواب على ذلك بـ: نعم.

إن الله قد وزع العقول على الناس بقدر متساو لا فرق في ذلك بين أسود وأبيض أو بين عربي واروبي، وعدم التساوي الظاهر بين عقليات الأفراد والشعوب مرده إلى التدريب الفكري فقط فالفكر مثل السيف إذا ترك في غمده صدا ولم يعد قاطعا، وكذلك عضو الإنسان إذا ترك في قالب (الجبص) مدة ضمر وجف واحتاج إلى التربيض والممارسة ليعود إلى حالته الأولى ويدعى لأمارك بان البطة كانت عبارة عن طائر مائي كان له جناحان قويان وأصابع طويلة ولم يلبث أن تغير المناخ عليها وزادت الأمطار وانتشرت المستنقعات المليئة بالأوحال والاثربة، فبدأت البطة تتكيف مع الوضع الجديد فتوسع ما بين أصابعها حتى ظهرت الوشائج اللحمية التي نراها في أرجل البط، ويعتقد آخرون بأن الدجاج كان طائرا عاديا قبل أن يدجن منذ بضعة آلاف سنة ونضمر أجنحته ويصبح غير قادر على الطيران.

والشعوب مثل ذلك لا يوجد تفاوت ورائي طبيعي فيها، والتفاوت الذي نشاهده ظاهري جديد خلقه التدريب والتربية ومزاولة العمليات الفكرية منذ الصغر.

وقد كان الصينيون القدماء أصحاب صناعات واختراعات في حين كانت توجد قبائل متوحشة في أروبا، وكان اليونانيون في مضمار الفكر والايطاليون في مضمار القوة السياسية والعسكرية والتنظيم يأتون في طليعة الشعوب المتحضرة يوم كان الرعاة هم سكان أروبا، وكذلك الشأن عند العرب فقد أهتم الفنيقيون منهم بالملاحة والجغرافيا والفلك والبابليون بالطب والمصريون بالعمارة وتنظيم الري، وكان العرب أسيادا في الشرق الأدنى والأوسط يلعبون دور الحكم والموجه، ثم صار أمرهم إلى الانحطاط منذ القرن الثالث قبل الميلاد فنشأ عن ذلك الصراع المرير بين العرب والرومان وتحولت المنطقة ميدانا للفوضى الضاربة.

وعندما عاد العرب إلى قوتهم ووحدتهم في القرن السابع والثامن ظهروا كأقوى إمبراطورية في العالم تبسط حكمها على جنوب اروبا ونصف كل من إفريقيا وآسيا، تفتحت عبقريتهم في الطب والفلسفة والفلك والآداب والجغرافيا، ولم يشهد العالم الوسيط تركيزا علميا كما شهدته (دار الحكمة) التي أسسها المأمون في بغداد، ونأتي بمثال بسيط على العبقرية العربية آنذاك هو توصل علماء العرب إلى قياس محيط الأرض ورسم خطوط العرض والطول بحيث لم تختلف تلك المقاييس إلا قليل عما وصل إليه العلم الحديث اليوم.

فما دهى العرب حتى تخلفوا عن الركب الحضاري وأعطوا الزمام للشعوب الأوروبية؟ هل السبب في ذلك هو أنهم لا يتلاءمون مع العصر الحالي المستنير أو أن إمكانياتهم محدودة بالنسبة لدول أروبا؟.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٤٤