تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رؤوس الاموال في المشروعات الضخمة، وكانت هذه التكثلات مصدر القوة التي زحف بها الاستعمار من الغرب إلى افريقيا وآسيا، فان القرنه العشرين يشهد انبعاثا جديدا لهذه التكثلات في الشرق باسم القوميات، في طليعته «القومية العربية».

والجماهير العربية التي تنشد الحرية، ادركت في آخر الحساب، ان الحرية هي ثمرة القوة، وان القوة هي الوحدة، ولذلك آمنت بان الوحدة، وحدة الشعوب العربية، هي مفتاح باب «العالم الافضل» الذي تبحث عنه.

ولم تكن شعوب المغرب العربي لتتخلف عن ركب الثورة العربية الا قليلا من الزمن؛ فلم تلبث شرارة هذه الثورة ان اندلعت في الجزائر وتونس والمغرب، ولم يلبث الايمان بالوحدة ان اصبح من مبادئ هذه الشعوب، وهكذا انعقد المؤتمر «وحدة المغرب العربي» بطنجة في ابريل سنة 1958.

ومع ذلك، فان العروبة تواجه في المغرب العربي عدة المشاكل هي في الحقيقة من مخلفات 130 سنة من الفرنسية والاحتلال بالجزائر، و75 سنة بتونس، و44 سنة بالمغرب؛ فقد نشات اجبال لا تعرف عن تاريخها وحضارتها وعروبتها الا الجانب الذي لا يقلل من اعتراف المغربي للمستعمر الفرنسي بتفوقه العنصري والحضاري، ولا بغير شيئا من طبيعة الاستسلام والتبعية التي يقتضيها الاعتراف بهذات التفوق.

*

واول مشكلة واجهتها القومية العربية في المغرب المستقل هي مشكلة التعريب، تعريب لغة الدولة في الادارة والتعليم؛ واليوم تطالب الجماهير الشعبية بتعريب التفكير ايضا، بعد ما احست بان كثيرا من هؤلاء الذين يحكمون، ويوجهون، ويديرون جهاز الدولة، لا يتكلمون فقط بلغة المستعمر، بل يفكرون ايضا بتفكيره، ويستعملون منطقه واسلوبه. والواقع ان الفكر واللغة شيء واحد كما يقول ماكس مولار، وهو يشبههما بقطعة النقد ويقول «ان ما نسميه بالفكر ليس الا وجها من وجهي النقد، والاخر هو الصوت المسموع». ومن البديهي ان العروبة لا يمكن ان تسترجع مكانتها الادبية، ودولتها السياسية، في المغرب العربي، طالما ان هناك من لا يزال يحس بمركب النقص بالنسبة للغته وامته العربية، تجاه تفوق المستعمر الفرنسي.

فنحن في المغرب، ونحن في تونس، كثيرا ما نتجاهل فضل الحضارة العربية على حضارة الغرب، والدور الذي قام به المغرب العربي في غرب اوربا، ونتجاهل ان اللغة العربية كانت هي «اللغة العالمية» خلال القورن الوسطى، وان الغرب حتى القرن الخامس عشر ظل بشعر بتفوق العرب ولغتهم، ويقصوره عن مجاراتهم، وان دعاة النهضة الاروبية، اضطروا لبذل جهد كبير لازالة الشعور بالنقص من مواطنيهم تجاه التفوق العربي. وها نحن اليوم، بعد ان دار الزمن دورته، نجد اننا في بدء نهضتنا الجديدة، نقف من الغرب نفس الموقف الذي كان له اتجاهنا، في بداية نهضته خلال القرن الخامس عشر، نعاني كثيرا من مركب النقص تجاه التفوق الاروبي واللغات الغربية، وننظر إلى طاقاتنا ولغتنا نظرة مفعمة بقلة الاكثراث، وعدم الثقة، بينما يسند الاستعمار الفكري هذه النظرة كل يوم، ليوهن عزائمنا، ويشيع روح الانهزام في نفوسنا، هذه هي العقد النفسية التي تعانيها اجيالنا الحديثة، والتي تقف حجر عثرة في سبيل تطور سريع البناء القومي.

ومن هنا نجد ان التوجيه الذي تسير عليه «وحدة المغرب العربي» يطبعها بطابع الوحدة الاقليمية الجغرافية، اكثر مما يصوغها في قالب الوحدة القومية؛ لننظر مثلا طابع هذه الوحدة كما جاء في الدستور التونسي الذي اعلن امس، والذي نهنئ تونس الشقيقة بميلاده بعد كفاح طويل، لقد جاء في الفصل الثاني منه: «الجمهورية التوونسية جزء من المغرب الكبير تعمل لوحدته في نطاق المصلحة المشتركة» فان حذف كلمة «العربي» لم يكن بدون هدف، والاستعاضة عن «المغرب العربي» حتى في ديباجة الدستور باسم «المغرب الكبير» مع ان الاسم السابق هو الذي وقع الاصطلاح عليه حتى الان، تعني ان هذه الوحدة تقوم على اساس الارتباط الاقليمي، لا على اساس الارتباط القومي.

ومن الجدير بالملاحظة، انه منذ انعقد بالقاهرة «مؤتمر المغرب العربي» في يبراير 1947 وهذا الاسم «المغرب العربي» هو الذي تستعمله الحركات الوطنية في الصحافة والاذاعة والخطب الرسمية، بل انه نفس الاسم الذي تستعمله الصحافة الفرنسية الحرة، بينما تعدل عنه الصحافة الاستعمارية إلى اسم «المغرب الكبير» حتى لا تعترف ضمنيا بعروبة الجزائر في الوقت الذي تؤكد فيه انها فرنسية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٤١