تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يمكن الاعتذار عن هذا التحفظ، بان البربر يسكنون المغرب وهم ليسوا عربا، فعروبة المغرب لم تقم في وقت من الأوقات - بفضل العقيدة الإسلامية - على أساس العنصرية والدم، بل على أساس اللغة والدين والتاريخ المشترك، والأكثرية الساحقة من البربر تتكلم العربية، وبها يتفاهم السوسي مع الريفي، والشلح مع القبائلي، لا بلهجاتهم البربرية المختلفة اشد الاختلاف. يضاف إلى هذا ان البربر يحرصون على تعلم العربية لكونها لغة دينهم، ولكونها اللغة العلمية القومية الوحيدة التي تساعد على تطورهم الفكري، بينما لا تقي لهجاتهم البربرية بأكثر من معاني التخاطب.

ومع ذلك، فان الزمن والاستعمار معا، يخدمان «القومية العربية»، وتطورها في المغرب العربي مرهون بانتشار التعليم، واشتداد الوعي السياسي، وإدراك أهمية التكتل القومي كأقوى سلاح لمحاربة التكتل الاستعماري؛ على اننا لا نزال في المرحلة الأولى من المراحل التي اجتازها الشرق العربي قبلنا، فمنذ اقل من عشرة أعوام كتب الدكتور احمد زكي في جريدة الوفد «المصري» يقول: «ما العرب وما الفراعنة؟ انما نحن قوم مصريون»!، واليوم هو رئيس تحرير مجلة «العربي» احدى السنة العروبة، بل ان مصر التي كان كتابها يدعون للفرعونية بالامس القريب، هي بطلة «القومية العربية» اليوم.

بيد ان سوريا كانت اسبق الشعوب العربية وعيا واسمانا بالوحدة العربية، وكان دستورها الصادر سنة 1950 اسبق الدساتير العربية في التنصيص على ان الشعب السوري جزء من الامة العربية، كما جاء في مادته الاولى؛ وجاء دستور الاردن سنة 1953 فنصت مادته الاولى ايضا على ان «الشعب الاردني جزء من الامة العربية»؛ ثم صدر دستور الجمهورية المصرية سنة 1956 فجاء في ديباجية: «ان شعب مصر يشعر بوجوده متفاعلا في الكيان العربي الكبير، وبقدر مسؤولياته والتزاماته حيال النضال العربي المشترك لنصرة الامة العربية ومجدها ثم نصت مادته الاولى ايضا على ان «الشعب المصري جزء من الامة العربية»؛ واخيرا صدر الدستور المؤقت للجمهورية العراقية، فنص على ان الشعب العراقي جزء من الامة العربية» وكان الدستور السوري قد ذهب إلى ابعد حد، عندما ادخل في مادتيه 46 و 47 الخاصتين بالقسيم الذي يؤديه النواب ورئيس الجمهورية عبارة « ... وان اعمل على تحقيق وحدة الاقطار العربية»، وبرت سوريا بقسمها برا لم يسبق له نظير في التاريخ.

وهكذا نجد ان الدول العربية اعترفت كلها بحقيقة «القومية» التي تربطها؛ فاذا كان الدستور التونسي اليوم لم ينص على ان «الشعب التونسي جزء من الامة العربية» فانه اكد في ديباجته بان الشعب التونسي «ينتمي للاسرة العربية» وهي خطوة جديرة بالتقارير في دستور تونس «الاول» تعبر بدقة عن المرحلة التي وصل اليها تطور الفكرة.

ويجب ان لا ننسى ان الاستعمار الفرنسي، كان إلى قبل الاستقلال، يتهمنا في المغرب، كما يتهمنا في تونس، باننا لسنا امة، ويتساءل: هل عندنا «شعور قومي»؟!، ويحاول ان يثبت للعالم باننا خليط من الشعوب، كان له فضل توحيدنا وتهذيبنا!، تماما كما يتهمنا اليوم ايضا في الجزائر؛ والذي اغراه بهذا الاتهام هو فعلا ضعف «الشعور القومي» عند شعوبنا التي تكونت وتربت على اساس انها «امة اسلامية»؛ فالمغربي عندما تساله عن هوية شخص مثلا، بجيبك: انه «مسلم» و «نصراني» بدلا من ان يقول: «مغربي» او «فرنسي» وهذا يعني ان الحدود الدينية، هي اهم الحدود الفاصلة والمميزة عنده، ولما كان الفرنسيون لا ينظرون لهذه «القومية الدينية» النظرة الفسيحة التي يراها المغربي، فقد استغلوا ذلك لاتهام المغربي والتونسي بفقدان الشعور الخاص بانه عضو في «امة» بمعنى «مجتمع قومي»، من غير ان يقدروا شعوره القوي بانه عضو في «امة» بمعنى «مجتمع ديني».

واليوم، بعد ان طغت المفاهيم القومية في العلاقات الدولية، على المفاهيم الدينية، واصبح للاولى حقوق شرعية في عرف القانون الدولي، غطت على حقوق الثانية، فان حكومات المغرب العربي التي تقدر مسؤولياتها الجديدة، لا تجد مفرا من الاختيار، فاما ان تقوم سياستها على اساس إعطاء الاولية لتدعيم المواطن بالانتساب إلى «الأمة» بمعنى المجتمع القومي، وهذا يعني تدعيم القومية العربية، او إلى «الأمة» بمعنى «المجتمع الديني»، وهذا يعني تدعيم القومية الإسلامية. اما التحفظ والتردد في سلوك السياسة الأولى، واعتبار السياسة الثانية خيالية او رجعية، فهذا يعني البقاء بدون «سياسة قومية» على الإطلاق، وبالتالي، عدم القدرة على الاختيار، لعدم نضج الأيمان بفلسفة قومية خاصة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٤٢