تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رائعا كلما كان أدبا صادقا يصور إحساسات تفاعلت فيها عناصر المشاهدة و الملاحظة. ويكون على العكس من ذلك خافتا وباهتا كلما صدر عن نفسية مصطنعة. تقلد ولا تبتكر، وأظن أننا نتعثر أحيانا فيما ننتجه لأننا ننصرف كل الانصراف عن التملي بما في هذه البيئة المغربية الزاخرة بكل مل يخلق أدبا صادقا و رائعا. وأظن أننا في حالتنا كهذه كمن يترك الماء ينساب زلالا أمامه وهو يشكو من الظمأ - كما يقول عمر الخيام. وأظن أن مقياس الروعة في أدبنا سيظل محصورا وإلى زمن طويل في مقدار مل ينطوي عليه الأثر الأدبي من قوة مستمدة من واقع هذه البيئة المغربية الزاخرة بالألوان التي لا يجد الأديب صعوبة في التملي بها، متى قر عزمه على ذلك، إنني لا أدعو إلى إقليمية أدبية، وإنما الذي أدعو إليه هو المساهمة في رسم هذه اللوحات الكبيرة للأدب التي يشارك في رسمها جميع أدباء العالم، كل واحد منهم يرسم فيها ما يقع عليه نظره وما تنفعل عليه نفسه.

إن هؤلاء الذين خلفوا في آثارهم الأدبية صورا حية لبيئاتهم لم يكونوا أدباء إقليميين، وإنما كانوا عالميين وإنسانيين. لأنهم استطاعوا التجاوب مع بيئاتهم، واستطاعوا التعبير عن آلام وآمال هذه الجماهير التي لا تملك وسائل التعبير.

لقد صوروا إحساساتها تصويرا صادقا، وأبدع البعض منهم في هذا التصوير. فجاء هذا الإبداع صورة إنسانية قبل أن يكون صورة محلية أو إقليمية.

ومخطئ كل الخطأ من يظن أن السياسة هي التي تستطيع وحدها أن توقظ الوعي في الجماهير أو تعبئها، بل الأدب هو الذي استطاع أن يوقظ الوعي في الجماهير و أن يعبئها، ولئن لوحظ أن هناك ضعفا أو ما يشبه الضعف في كثير من اتجاهاتنا فان مرد ذلك - في رأيي- إلي أن بلدنا ما يزال في حاجة إلى ثورة فكرية تعبد الطريق لما يأتي بعدها من أنواع الإصلاح.

والتاريخ يشهد أنه من بلد وقعت فيه ثورة فكرية إلا و كان لها أبلغ الأثر في تيسير الصعاب. ولهذا فإن عناية الأدب بواقع حياتنا وانسجامه معه يتولد عنهما دون شك وعي صحيح، وتعبئة صحيحة وأدب متين وصادق ورائع، يرفع من شأن الفكر في بلدنا ويفسح الطريق أمام الأدب ليصبح أدبا عالميا يعنى بأمره الناس خارج بلدنا، ويرون في مرآته آلامنا وآمالنا، ويفردون له مكانا في صف الآداب العالمية الأخرى.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٣٩