تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منها وكتب ما خلفه من قصص رائعة. لقد كيفت ميوله هذه البيئة وأرغمته إرغاما على اعتناق مذهب الواقعية، وأرغمته على أن يصور استغلال الفلاح وإرهاقه ولو كان هو من جملة المستغلين.

أما الأديب الروسي (جوجو) زعيم الواقعية فإن مآثره ما تزال تقرأ و تعاد وستقرأ وستعاد لأنها تنطوي على دقة في التصوير البيئة التي عاشها «جوجو» وخيرها وكان محيطا بالكثير من جوانبها، والأديب الفرنسي «إميل زولا» تحتل آثاره الأدبية مكانة رفيعة في تاريخ الأدب لأنه تأثر بعوامل البيئة العامة التي كان الشعب الفرنسي يعيش فيها. ورفض أن يساير الاتجاه الأدبي الذي كان يظهر الشعب الفرنسي على غير حقيقته، حينما كان يقتصر هذا الأدب على تصوير حياة البذخ والنعيم التي كانت تمثل حياة طبقة لا حياة شعب بكامله.

وإذا استعرضنا الأدب العربي نجد فيه قلة تأثير الحياة الواقعية في إنتاج الأدباء. إلا أننا نجد في طليعة روائع الأدب النوع الذي يتسم بالواقعية فكتاب «الأيام» للدكتور طه حسين وقصة «زينب» للدكتور هيكل ويوميات «نائب من الأرياف» للأستاذ توفيق الحكيم وقصص الأستاذ نجيب محفوظ وغيرها من الآثار الأدبية التي استمدت من واقع البيئة العربية المصرية، أنها كلها حظيت بإعجاب وتقدير، وكتب لها من الخلود أكثر مما كتب لغيرها. وترجم البعض منها إلى لغات أجنبية، لأنها تصور الحياة في مجالها الواسع، ولأنها آثار تنبض بالحياة، ولأنها أخيرا تقدم جزءا من الحياة الإنسانية التي يحياها الإنسان. وبدون «رتوش».

فهذا الاتجاه هو الذي اعتقد أنه يفيدنا في حياتنا الحاضرة، ويفتح آفاقا جديدة لإنتاجنا الأدبي.

والبيئة المغربية زاخرة بمواد الأدب الواقعي، أي أنها زاخرة بالمواد التي يمكن للأديب أن يصوغ منها آثارا خالدة. تشخص مجتمعنا كما هو وفي صور تفيض بالحيوية، ولا يستطيع أحد غير الأديب أن يشخص ما ينطوي عليه مجتمع كمجتمعنا من صور، البعض منها نرضى عنه بعض الرضى أو كل الرضى، والبعض منها لا يرضيها. كما أن البعض منها نجهله ونعرض أعراضا عن معرفته.

إن المئات من القصص الواقعية يتحدث بها الفلاحون في البادية المغربية ولا تحتاج لغير أقلام الأدباء لكي تنقلها كما يرويها الفلاحون. وفي الحياة الاجتماعية المغربية على اختلاف جوانبها صور إنسانية يمكن أن تجليها المقالة و القصيدة أو القطيعة الأدبية الصغيرة.

واعتقد أنه من الأحسن لنا ولمصلحة ازدهار الأدب في المغرب أن نتملى بما في بيئتنا من صور الحياة لنصوغ منها إنتاجا فكريا، وأعتقد أننا سنجد الكثير ممن يقرءون هذا الأدب ويتذوقونه ويسعون إليه، إما مختارين أو مكرهين.

ولقد كان بعض الأدباء المغاربة قاموا بتجربة في ممارسة الأدب الواقعي، وكانت تجربة ناجحة فصديقنا الأستاذ عبد الرحمان الفاسي كان أنتج أقاصيص مغربية من الأدب الواقعي، صور فيها جانبا من البيئة المغربية في مدينة فاس، فأعجب بها القراء إعجابا كبيرا بالرغم عما في أسلوب صديقنا الأستاذ عبد الرحمان من كلاسيكية تكاد تكون في بعض الأحيان صورة النثر الفني قي القرن الرابع، ونذكر من بينها قصته (عمي بوشناق) وهي قصة ما تزال تكون في رأيي نوعا من القصص الواقعي الرفيع. وله قصة أخرى اسمها (ماريان) وثالثة هي (ابنتي) ولو أنه أعاد نشر واحدة منها لما كان في إعادة نشرها تكرار لشيء منشور. بل أنني أرجوه أن يفعل ذلك عسى أن يكون في هذا العمل حافزا لأدبائنا على السير من حيث انتهى إخوان لهم من قبل.

ولست أعني بكل ما ذكرته أنه ينبغي لأدبائنا أن ينصرفوا كل الانصراف إلى ممارسة هذا النوع من الأدب، ولكنني أريد أن نركز جهودنا - كما قلت وكررت ذلك - حول هذه البيئة المغربية التي تزخر بمواد صالحة لأن يصاغ منها إنتاج أدبي قومي وإنساني في الوقت نفسه. لأنه إذا كان بعض الأدباء في أمم أخرى يعرفوننا ببيئاتهم على طريق ما ينشرونه من إنتاج فيكون من اللازم أن نعرفهم بهذه البيئة التي نعيش فيها عن طريق إنتاجنا الأدبي. فالأدب الواقعي يمكنه أن يساهم بأكبر نصيب في تشخيص أماكن الضعف في الشعوب التي ما يزال فيها ضعف ثم أنه قادر على أن يكيف نفسية الأديب بكيفية خالية من كل أثر للتصنع أو التكلف. وهو قادر أيضا على أن يزود الاديب بالمادة الصالحة التي تجعل من إنتاج الأديب مرآة تنعكس عليه إحساساته لان يكون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٣٨