من طوابع المدارس الأدبية في النشر وفي الشعر، طابع يمكن القارئ له والمطلع عليه من أن يعرف نوع الإنتاج ولونه، وهذا العنصر الذي أصبح يتوفر للأدب العربي هو توحيد عوامل التكوين الفكري التي أصبحت بعض الشعوب العربية تتوفر عليها أو على أغلبها في مدارسها ومعاهدها، وهو عنصر ما يزال تحقيقه بعيدا بالنسبة إلينا، وأعتقد أن الأدب في الشعوب العربية ينبغي له أن يعتنق الواقعية ويجعلها من اتجاهاته، لان مجتمعات الشعوب العربية غنية بمواد الأدب الواقعي الذي يؤدي ازدهاره ورواج سوقه الى غايتين اثنين: أولاهما: أن يعين هذا الأدب على نشر الوعي في كافة الميادين وتشخيص المجتمع عن طريق المقالة والقصة وحتى الشعر، فينتج عن ذلك تحقيق الغاية الثانية. وهي إنتاج أدب حي و صادق يقرأ في داخل المغرب و خارجه، فيجد من الإعجاب و التقدير ما هو جدير به، لأنه سيكون أدبا إنسانيا قبل أن يكون أدبا قوميا. ولا أحتاج إلى القول بأن روائع الأدب الإنساني أكثرها وأغلبها استند على الواقع أكثر مما استند على الخيال. وليس معنى هذا أن الخيال ليس له أثر في تكييف الأدب وإخراجه، ولكن الواقع أفضل منه، لأنه يصور الحقائق بسهولة وفي غير عسر، أما الخيال فقد يكون خصبا معطيا وقد يصاب بالعقم و الجدب أو بالتصنع. والعقم والجدب والتصنع لا يستطيع واحد منها، بل أنها لا تستطيع مجتمعة وصف جانب من جوانب الإنسانية بصدق وفي أسلوب يطابق الحياة.
و إذا كان الأستاذ العقاد يقول -وأظنه ما يزال على رأيه هذا- أن الأدب هو الحياة، فالحياة هي الإنسانية بمعناها الواسع. وأقدر مذهب من المذاهب الأدبية على وصف هذه الإنسانية التي هي الحياة هو الذهب الواقعي.
إن الاتجاه الأدبي- هو بالطبع- ميول قبل أن يكون شيء آخر، فلكل أديب ميوله الخاصة، ما في ذلك من شك ولا ريب. فالذين اتجهوا صوب الأدب الرومانتيكي قد اتجهوا نحو هذا الاتجاه تحت تأثير ميولهم، وكذلك الذين اتجهوا نحو المذهب الطبيعي، الذي ظهر أخيرا وحاول قادته أن يجعلوا من الأدب مرآة تنعكس عليها ثورة العلم الحديث- فميول الأشخاص ظاهرة لا بد من اعتبارها، ولكن ما هي العوامل التي تكون في الشخص ميوله الخاصة واتجاهه الخاص؟ إنها قبل كل شيء عوامل البيئة التي عاش ويعيش فيها، وعاش فيها قبله آباؤه الأقربون أو الأبعدون، وهذا كل ما نرمي إليه، فإذا استطاعت البيئة في المغرب أن تكيف ميول الأدب فإنها ستدفعه حتما لأن يتأثر بواقع الحياة ويتملى من صورها ويغمس قلمه في معينها ليرسم لوحاته الأدبية. وهو إذا تملى منها وغمس قلمه في معينها فإن لوحاته ستأتي واقعية. ستصور المجتمع المغربي في المقالة وفي القصة و في الشعر كذلك.
إن عوامل البيئة استطاعت التأثير على بعض الأدباء من الطبقة البرجوازية فكيفت كتاباتهم يكيفها الخاص، فاخرجوا أدبا رائعا صوروا فيه هذه البيئة وصوروها في مستواها العام لا في مستواها الخاص. فكتبوا عن البؤس والشقاء والإقطاع و الطغيان وأبدعوا كل الإبداع. لأن نفوسهم تفتحت للإستيحاء من عوامل البيئة، بل إن عوامل البيئة فرضت عليهم أن يكونوا واقعيين وأن يصفوا شقاء الفلاح و استعباده و استغلاله، لقد كانوا وكان آبائهم من طبقة المستغلين ولم يهتم تاريخ الأدب بأمرهم كأشخاص، وإنما أعار كل الاهتمام لما أنتجوه من روائع أدبية ما تزال حتى اليوم تمثل نوعا من الإنتاج الأدبي الخالد. وهو إنتاج نقراه اليوم فنقدر فيه هذه الروعة، وهذه الروعة جاءت التوفيق الذي حالف أولئك الأدباء الذين أنتجوه وأبدعوا في إنتاجه. أما الأدباء الذين قضت عليهم ظروفهم الخاصة بأن يندمجوا في البيئات التي عاشوا فيها اندماجا كليا فإنهم خلفوا وراءهم تراثا إنسانيا أكثر روعة وأكثر خلودا. لأنهم كانوا يصورون حياة الملايين من أبناء بيئتهم و كانوا في الوقت نفسه يصورون حياتهم الخاصة، وكانوا الى هذا وذاك يصورون جانبا من جوانب الحياة. هذه الحياة التي لم يلجاؤا فيها إلى الخيال ليعصروه عصرا حتى يوحي إليهم بما يكتبونه، وإنما لجاوا فيها إلى الواقع، إلى حياتهم اليومية فرفعوا أقلامهم وصوروا بعضها فجاء تصويرهم آية من آيات الأدب والفن. ويمكننا أن نستعرض تاريخ الأدب في هذه الأمم التي ازدهر فيها لنرى أن الصور التي ظلت خالدة فيه حتى الآن إنما هي صور الواقع الذي تنبض فيه الحياة والذي ما تزال تنبض فيه حتى الآن، وأغلب الظن أنها ستستمر نابضة إلى ما شاء الله.
إن «ترجيف» الأديب الروسي الذي عاش ملاكا من الملاكين لم يسعه إلا أن يستسلم لعوامل البيئة التي كان يعيشها الفلاحون فاستوحى