الطلقات التي كان الفرسان يرسلونها في الفضاء. وتفضل الملك فنزل عن فرسه، وبعد برهة خشع فيها الجمهور نطق بهذا الدعاء الكريم: «اللهم تقبلها منا ذخرا» وعلى اثر ذلك اتجه نحو القبلة، وعلى مراى ومسمع من هذا الجمهور سجد في هذا المكان شكرا - الله الكبير المتعال، ثم ودع القبلة واقبل على اسرى يهنئهم ويسلم على عشائرهم ودويهم، وبعد ان صافحهم اجمعين فاه بهذه الكلمات الطيبات: «الحمد لله الذي انقذكم .. وجمع شملكم باخوانكم المؤمنين، فاحمدوا الله على نعمه واشكروه يزدكم من كرمه».
الأحرار ينقلبون إلى تلمسان
ولما كان الناس على ليالي العيد فقد طلب اليهم السلطان ان ياخذوا راحتهم بضعة ايام هنا في الجزء من وطنهم: «انتم منذ الآن في ضيافتنا حتى نوجهكم إلى ناسكم ومسقط راسكم» ومضت بقايا رمضان وحل العيد فوصلهم بهيات سنية وكان - وهذا دليل الاهتمام ايضا- لا يعتمد على وزير ولا ظهير في القيام بذلك ولكنه يجد المتعة في مباشرة ذلك فهو بعد ويحسب ويسلمهم المقادير بيده الكريمة. وبعد ايام العبد اصدر اوامره للسفير ان يصحب الاسرى إلى فاس حيث يتوجهون منها إلى وجدة ثم إلى مدينة تلمسان ..
25 شتنبر 1956 بوجدة
وها مائة واثنان وثمانون سنة يخطوها تاريخ المغرب فماذا تجده في هذا التاريخ؟ ان سياسة المغرب الخارجية التي كان ينتهجها سيدي (محمد الثالث) حيال الجزائر كانت هي بالذات السياسة التي يقتنع بها جلالة محمد الخامس، فالعطف على الجزائر ظل «متوارثا» بين الملوك عبر التاريخ، ولقد كنت وانا اقرا هذه السطور المكتوبة بالصمغ على هذا الورق العتيق، كنت اخال نفسي اقرا تاريخا حاضرا كتب إلى عهد قريب. افليس انه في هذه الايام نسمع عن نفس المساعي تتكرر من قبل صاحب الجلالة مع دولة يفصلها هي الاخرى عن الجزائر البحر والدين واللغة! وهل ننسى ذلك اليوم التاريخي بوجدة والعاهل المغربي ما يزال يعاني من عناء المنفى السحيق، هذا اليوم الذي اراده التاريخ ذكرى ليوم سلا، يحمل اسم الشهر ونفس اليوم (25 شتنبر) لقد قال الملك المعظم: «ان الشمال الافريقي يكون وحدة في الجغرافية والجنس والدين واللغة والتقاليد ولذلك فمصيره - كما كان ماضيه - واحد والمغرب بحكم الروابط العديدة التي تربطه بالجزائر الشقيقة وبحكم جواره منها وتاثره بكل ما يجري فيها لفي طليعة الدول التي يهمها استتباب السلام في ربوعها ضمانا لسلامة الشمال الافريقي كله .. من اجل ذلك نهيب بمن ببدهم الامر ان يسرعوا لعلاج المشكل فيضعوا بذلك حدا للالام ويعيدوا للجزائر الشقيقة السلام .. »
«ليسوا بلاجئين .. !»
ولم يكن خطاب وجدة في الحقيقة الا حلقة من سلسلة خطابات وتصريحات، افلم نسمعه منذ ايام فقط يصرح لوزير الدفاع في الحكومة الجزائرية الموقتة بهذه الكلمات: «ان حرية الجزائر شرط اساسي لتشييد وحدة المغرب العربي وضمان مصيره واستقلاله» .. وبعد هذا فهو الذي اجاب رجال جيش التحرير الجزائري عندما شكروه على ضيافته للاجئين، اجابهم بانه لا يسمح بتسميتهم لاجئين فهم في بيوتهم وبين ذويهم حتى يرجعوا إلى ناسهم في الجزء الاخر من الوطن! ..
الموقف المشين
واذا كانت هناك من مهزلة تستدعي الرثاء فهي انتعاض بعض الجهات من اشفاق سلطان المغرب على حرية الجزائر، افلسنا نرى رؤيا عين ان اسلافه بالامس كانوا يبذلون في سبيل تلك الحرية ما وسعهم البذل لم يعتبروا ذلك فضولا ولا تطاولا على حقوق غيرهم .. ولئن صح ان نستغرب من بعض المواقف المفاجئة فانه ما كان يصح - ولن يليق ان يصح - الاستغراب من موقف ظلت الاجيال تتوارثه، وعلى العكس مما يدعون فان الاعتراف بحقائق التاريخ في ابرز الصفات التي يتحتم على السياسيين ان يستشعروها وعلى القادة ان يقتنعوا بها، وهذا فقط طريقنا إلى اكتساب المعركة ..
وبعد فان الذي يعني بدراسة التاريخ المغربي لابد ان يلحظ كثيرا من التشابه بين خطوات الماضي وخطوات الحاضر فهل سيثمر المؤرخون عن سواعدهم للمقارنات والمفارقات بين الامس واليوم وبالتالي فهل سنكون بارين بهذا التاريخ .. ؟