تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان يوسف بن تاشفين - كما يقول عنه (يوسف أشباخ) - «يتمتع بأوفر قسط من الذكاء والرأي الثاقب والشجاعة وبعد النظر، وهي أخص صفات الزعامة».

و (يوسف أشباخ) لا يلقي هذا الرأي جزافا، وإنما هو قد استخلصه من غير شك - كما يستطيع كل قارئ جاد للتاريخ أن يفعل - من استعراض مواقف يوسف بن تاشفين وتصرفاته وأعماله.

*

ونختم هذا الحديث بقضية آخر مهمة في بابها.

يقولون: أنه ما من عظيم في التاريخ إلا ومن ورائه امرأة.

وسواء كان هذا الكلام صحيحا على إطلاقه أو غير صحيح، فإنه واقع بالنسبة لصاحبنا يوسف بن تاشفين، فقد كانت من وراءه امرأة، امرأة عظيمة جدا، على حظ كبير من الجمال والذكاء والفهم وبعد النظر، تلك هي زوجة (زينب بنت إسحاق النفزاوية)

وقصة زواجه بها قصة طريفة في بابها، فإنه لم يكن زوجها الأول، بل ولا الثاني، وإنما كان زوجها الرابع، بعد أن توفي عنها زوجان، وطلقها الثالث.

كان زوجها الأول هو (يوسف بن علي بن عبد الرحمان بن وطاس) شيخ «وريكة» بنواحي مدينة مراكش، وقد قتل في حرب له مع مغراوة وبني يفرن، فتزوجها بعده (الأمير المغراوي لقوط بن يوسف ابن علي) أمير (أغمات) وقد قتل هو الآخر في حرب له مع المرابطين فتزوجها بعد (الأمير المرابطي أبو بكر بن عمر) وظلت في عصمته إلى أن اضطر إلى العودة إلى الصحراء كما أسلفنا، فطلقها إشفاقا عليها من حرارة الصحراء وخشونة العيش فيها، ونصح لها بعد أن تستكمل عدتها أن تتزوج ابن عمه يوسف بن تاشفين.

وهكذا تزوجها يوسف، فكانت كما يقول الناصري: «عنوان سعده، والقائمة بملكه، والمدبرة لأمره، والفاتحة عليه بحسن سياستها لأكثر بلاد المغرب، ومن ذلك إشارتها عليه في أمر أبي بكر بن عمر وكيفية ملاقاته، حسبما ذكرناه آنفا، وهكذا كان أمرها في كل ما تحاوله رحمها الله».

ولا يذكر لنا التاريخ ما يفيدنا بشيء عن سن هذه المرأة عندما تزوجها يوسف، أما عنه هو فقد كان إذ ذاك في حوالي الخمسين من عمره، ولا ينبغي أن ننسى هنا أنه قد عاش مائة عام، وقد أحبته زينب وحرصت على نجاحه وكانت تساعده برأيها على بلوغ هذا النجاح.

ولا شك أن تقلب الحياة بها، واضطرارها إلى العيش في أجواء مختلفة، واحتكاكها في كل تجاربها السالفة بشؤون السياسة والحرب بحكم مراكز أزواجها السابقين؛ لا شك أن كل ذلك قد فتق من ذكائها، وقوى شخصيتها، وأهلها لان تشغل المكان المرموق الذي شغلته في حياة يوسف بن تاشفين.

ويبدو أنها كانت لا تزال في شرخ الشباب والفتوة والجمال عندما تزوجها يوسف بن تاشفين، فإن التاريخ يروي لنا قصة بسيطة في ذاتها، ولكنها قوية الدلالة في أن هذه المرأة كانت في أذهان العامة على عهد يوسف بن تاشفين أكثر من مجرد امرأة، كانت حلما جميلا، كانت أسطورة، كانت أمنية غالية تعيش في قلوب الخياليين والحالمين.

وملخص القصة أن ثلاثة نفر - على حد تعبير المؤرخين - سمروا ذات ليلة وبداوا يحلمون، فتمنى الأول لو أن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين يوليه ولاية، وتمنى الثاني لو أن أمير المسلمين يعطيه كذا دينارا من المال، وكان ثالثهم أكثر تواضعا وأوسع خيالا فتمنى لو أن أمير المسلمين ينزل له عن زوجة زينب بنت إسحاق النفزاوية!!

والذي يهمنا نحن من شأن زينب، أن نذكرها أولا كامرأة مغربية عظيمة، وأن نذكرها أولا كامرأة مغربية عظيمة، وأن نذكرها ثانيا كمحرك كان يعمل من وراء ستار في حياة يوسف تاشفين، ولعله لا مكابرة إطلاقا في الدور الكبير الذي يمكن للمرأة الطموح الذكية أن تلعبه في حياة الرجل.

وقد كانت هذه المرأة إلى جانب جمالها النادر، في منتهى الذكاء والطموح.

كانت كما يقول عنها (ابن خلدون) «مشهورة بالجمال والرياسة» وهو نص على قصره غني بالمعاني والإيحاءات، فقد عودنا ابن خلدون في تاريخه - على عكس ما فعل في مقدمته - على الإيجاز والتركيز إلى حد الإخلال أحيانا، وإذا كان تاريخه طويلا جدا، فليس ذلك لأنه فصل القول فيه، ولكن لأنه جمع فيه أخبار الأولين والآخرين.

وعندما يقول ابن خلدون «الرياسة» فإنه يعني من غير شك جميع الصفات التي تؤهل صاحبها لان يتصرف في شؤون الدولة ويعالجها ويبدي رأيه فيها، وقد كانت هذه المرأة في الواقع تتمتع بجميع هذه الصفات.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٣٢