وكانت هذه الأمية، وهذا الجهل التام أو النسبي باللغة العربية، منار تندر كبير من الأدباء الأندلسيين؛ فيقال أن الشعراء الأندلسيين قدموا عليه لتهنئته بالنصر في وقعة الزلاقة، وأنشدوا بين يديه أشعارهم، ولكنه لم يفهمها أو لم يتذوقها بالرغم من أن المعتمد بن عباد كان يساعده على ذلك.
ويبالغ (الشقندي) في رسالته التي وضعها في المفاضلة بين الأندلس والمغرب وبين شعبيهما، فيذكر أن هؤلاء الشعراء عندما أنشدوا أشعارهم بين يدي يوسف بن تاشفين، سأله المعتمد:
- أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟
- يقول الشقندي، فأجابه يوسف:
- لا، ولكنهم يطلبون الخبز!!
والشقندي هذا، هو الذي ساق في رسالته المذكورة البيت الذي ذكرناه آنفا، والذي يشبه فيه يوسف بن تاشفين بالبغل!!
والحقيقة - بقطع النظر عن كل هذا - أن معظم المؤرخين الجادين الذين تحدثوا عن يوسف بن تاشفين، إذا قصدوا للحديث عن الرسائل التي ترد عليه، يذكرون أن كتابه قراها وشرح له فحواها بلسان المرابطين، مما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن يفهم العربية أصلا، أو لم يكن يفهمها بالقدر الكافي.
ونحن إذ نقول: لم يكن يفهمها بالقدر الكافي، أو نتحدث عن جهله النسبي باللغة العربية، فذلك لان هناك مؤرخا مغربيا هو (أبو القاسم الزياني) في كتابه «الترجمان المعرب عن دول المشرق والمغرب» يقول بعد أن يذكر تشنيع الأدباء الأندلسيين على يوسف بن تاشفين: «وقد ثبت أنه كان حافظا لكتاب الله تعالى مشاركا في الفقه والحديث، راغبا في مجالسة العلماء، محبا للعلم وأهله، لكنه غير محسن لعلم العربية والتصريف، وكان على كبر سنه يتعلمها، ولم يبلغ به الجهل إلى هذا الحد»
لقد تحدثنا حتى الآن عن أمية يوسف بن تاشفين، وعن مدى معرفته باللغة العربية أو قدرته على تذوقها، ولكن السؤال الذي طرحناه كان مدى حظ يوسف بن تاشفين من المعرفة؟
والمعرفة في الحقيقة لا تنحصر في القراءة والكتابة، ولا في فهم أو تذوق لغة من اللغات.
إنني شخصيا من الذين يفضلون أن يضعوا خطأ فاصلا بين الأمية والجهل، فما كل أمي جاهلا، ولا كل عارف بالقراءة والكتابة عالما.
إننا لا نقصد أن نمجد الأمية دفاعا عن يوسف ابن تاشفين، ولا أن ننكر أن القراءة والكتابة باب واسع جدا من أبواب المعرفة، ولكنه على كل حال ليس بابها الوحيد، وكم من أمي تجلس إليه فلا تملك إلا أن تحترم ذكاءه وعقله واطلاعه ومعرفته وقدرته على الفهم والتصرف في عظائم الأمور، وكم من قارئ كاتب تجلس إليه لتكتشف حالا جهله وتفاهته وعجزه وقصوره، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا من الواقع ومن التاريخ معا.
فمن أي صنف من الأميين كان يوسف بن تاشفين؟.
إنني لا أتردد في أن أقول: أنه كان أميا من ذلك الصنف الذي لا يصح بأي حال من الأحوال أن يقال عنه أنه جاهل، وكل تصرفاته في جميع الأمور التي كانت تعرض له سياسية وحربية وغيرها تؤيد هذا الرأي وتدافع عنه وتقره، فقد كان ذكيا، وقد عركته التجارب وحنكته، وأكسبته من الخبرة والتجربة والدراية ما قد يغنيه عن استحياء كل ذلك من بطون الكتب والدواوين.
وصفة أخرى كان يتحلى بها يوسف بن تاشفين، وهي التأني والتفكير الطويل قبل الإقدام على أي عمل من الأعمال، وجمع أكبر عدد ممكن من الآراء وتمحيصها والمفاضلة بينها، ولم يكن يتورع أو تكبر عليه نفسه حتى من استشارة كاتبه الأندلسي الذي كان يمحضه النصح، ويشير عليه أحيانا في أعاظم الأمور بما يدل على إخلاص ونباهة وحسن فهم الأمور.
ومهما يكن من مساعدة الظروف التي كانت محيطة بيوسف بن تاشفين على تكوين إمبراطورية واسعة كالتي كونها، فإنه لم يكن في إمكانه أن يستغلها ذلك الاستغلال الكامل لو لم يكن يتمتع بصفات عقلية نادرة، على أنه لم يكن إمبراطورية فقط، وإنما عرف بحق كيف يضبطها ويرتب أمورها وبسوسها بالعدل والإحسان.