فأية غرابة إذن في أن يرحب الشعب الأندلسي بحكم يوسف بن تاشفين وأن يرى فيه منقذه، وأن يكثر من الثناء عليه والدعاء له كما سجل ذلك غير واحد من المؤرخين.
وقد أتاح هذا الانسجام بين الشعب الأندلسي وحكامه الجدد، للدولة المرابطية، أن تؤثر تأثيرا ملحوظا في معنوية الشعب الأندلسي إلى الحد الذي يقول معه (يوسف أشباخ): «على أن سيادة المرابطين كان لها من جهة أخرى أثر حسن في تكييف روح الشعب الأندلسي، فقد حلت في ظلها، مكان الفروسة الهائمة والملاهي الناعمة والدعابة المصطنعة والفتور السنوي، روح حربية قوية، واعتدال متقشف، وذكاء فطري، ورجولة متينة».
كذلك فإن الشعوب الإسلامية الأخرى غير الشعب الأندلسي: «لم تر في يوسف _ كما يقول نفس المؤرخ _ فاتحا متغلبا، بل رأت فيه منقذا، واعتبرته يد القدر في معاقبة الأمراء الباغين».
لقد أطلنا القول شيئا ما في الحديث عن قصة يوسف بن تاشفين مع ملوك الطوائف على اختلافهم، وعلى رأسهم المعتمد بن عباد، وذلك لان هذه القصة هي المسؤولة وحدها عن الصورة الشوهاء التي تسللت إلى التاريخ عن يوسف بن تاشفين.
*
ونعود الآن إلى تلمس بعض صفات هذا الرجل العظيم، فنلقي هذا السؤال:
- ماذا كان حظ يوسف بن تاشفين من المعرفة؟
- الذي يبدو أن يوسف بن تاشفين كان رجلا أميا لا يعرف القراءة والكتابة، بل أنه لم يكن يحسن النطق أو الاسترسال في الحديث بلغة من اللغات التي تقرأ وتكتب، حتى اللغة العربية - لغة الإمبراطورية الواسعة التي كان يحكمها - لم يكن يعرفها، أو على أحسن الفروض لم يكن يتقنها، فقد خرج من الصحراء رجلا مكتمل الرجولة، وأول ما نلتقي معه على مسرح الأحداث التاريخية نلتقي معه في حوالي الخمسين من عمره عندما استخلفه ابن عمه أبو بكر بن عمر على جيشه ومملكته في نواحي مراكش، ليعود إلى الصحراء بقصد فض بعض المنازعات والحروب التي قامت بين قبائلها.
وقد ولد يوسف بالصحراء، وبها ترعرع وكبر، في ظروف جهالة قاتمة وتأخر اجتماعي كبير، وعندما قدم إلى الصحراء (عبد الله بن ياسين) الذي يعتبر بحق مؤسس دولة المرابطين، كان يوسف بن تاشفين في سن الشباب، في حوالي الثلاثين من عمره، ولا شك أنه استفاد مع الذين استفادوا، من المرابطين، من عبد الله بن ياسين) نفقها في الدين ومعرفة بحدوده وواجباته، وتشبعا بروحه، ولكن الظروف لم تكن ظروف انقطاع في الكتاب أو غيره لتعلم القراءة والكتابة، و (عبد الله بن ياسين) لم يأت إلى الصحراء مدرسا يعلم الصغار أو الكبار مبادئ القراءة والكتابة وقواعد النحو والحساب، وإنما جاءها داعية للدين الإسلامي الحنيف، وعاملا على تفقيه الناس فيه، وإشعارهم بوجوب التزام قوانينه في جميع الشؤون الدينية والدنيوية، وما كاد يتوفر له بعد مدة غير طويلة العدد الكافي من الرجال المتشبعين بدعوته، حتى ندبهم إلى جهاد غيرهم ممن استعصوا على التشبع بهذه الدعوة أو قبول هذه التعاليم.
وظل المرابطون - وقد أطلق عليهم هذا اللقب عبد الله بن ياسين نفسه - يتنقلون من يومئذ من حرب إلى حرب.
وإذا كان التاريخ لا يذكر لنا في هذه الفترة شيئا عن يوسف، فلعل من المنطقي ومن السهل جدا، أن نتصور انه كان احد الذين انقطعوا إلى عبد الله بن ياسين، واحد الذين بادروا إلى نصر دعوته بالسيف.
وقبل أن يودع (عبد الله بن ياسين) هذه الدنيا متنقلا إلى آخرته، نلتقي بيوسف بن تاشفين على رأس جيش ابن عمه أبي بكر بن عمر، وبعد وفاة (عبد الله ابن ياسين) بنحو سنتين فقط، نلتقي مرة أخرى بيوسف بن تاشفين وقد استخلفه ابن عمه أبو بكر بن عمر قبل عودته إلى الصحراء «واتفق على تقديمه أشياخ المرابطين لما يعلمون من فضله ودينه وشجاعته ونجدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته»
كما يقول الناصري في الاستقصا.
إذن، فلم تتح ليوسف بن تاشفين فرصة لتعلم القراءة والكتابة، وظل على أميته وجهله التام أو النسبي باللغة العربية - لغة الإمبراطورية التي كان يحكمها - إلى أن مات.