تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد نفذ سيري الأوامر التي ألقيت إليه، واستعمل أحيانا من القسوة في تنفيذها ما كان يمكن له بحق أن يتجنبه، ولكن هذه القسوة ليست غريبة من نوعها في التاريخ، فان نظائرها وأشباهها كثيرة فيه، وإن كنا لا نرى في ذلك تبريرا لها.

والغريب في الأمر، أن ملوك الطوائف الآخرين الذين عوملوا بأقسى مما عومل به المعتمد بن عباد، بل وقتلوا، لم تثر قضاياهم من العطف، ولا من الإنكار على المرابطين، مثل ما أثارته قضية المعتمد بالذات، وهكذا يبدوا أن القضية لم تعد تاريخية محضا، وإنما دخلها عامل العطف على هذا الملك الشاعر، وذلك بالرغم من أن غيره من ملوك الطوائف، كان فيهم شعراء، وكان يعيش في كنفهم شعراء بكوهم وأنشدوا في رثاء دولهم قصائد خالدة على مر الزمان.

المهم في الأمر أن ملوك الطوائف ذهبوا وبقيت الأندلس، وأن بساط العيش اللبن الناعم الذي كان يفترشه هؤلاء الملوك قد طوى طيا، ولم يحزن لذلك إلا الندمان والشعراء الذين كانوا يشاركونهم مجونهم وصخبهم وسهراتهم، أو كانوا يجدون في كنفهم على الأقل حياة سهلة سعيدة مثرفة.

أما الشعب الأندلسي الذي لم يوله المؤرخون إلا قليلا جدا من اهتمامهم كعادتهم مع سائر الشعوب، فقد تنفس الصعداء، واستبشر خيرا، ورحب ترحيبا كاملا بحكامه الجدد من المرابطين.

نعم أن هؤلاء الحكام الجدد أقل سابقيهم تذوقا للشعر والموسيقى، وأقل احتفالا بجمال المظهر والتأنق في الحديث والحركات، ولكنهم مع ذلك _ وهذا هو المهم _ حكام أقوياء يرهبهم العدو ويحسب لهم ألف حساب، وهم إلى جانب ذلك حكام عادلون أغنياء عما في أيدي الشعب، لا يرهقونه بالضرائب، ولا يفرضون عليه أن يمول الحفلات والسهرات، والشعوب عادة لا تحتفل بمدى مقدرة حكامها على تذوق الشعر والموسيقى، وإنما تطلب فيهم أن يسهروا على حمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية، وأن يسوسوها بالعدل، وكل ذلك كان متوفرا للشعب الأندلسي في ظل يوسف بن تاشفين، كأحسن ما يمكن أن يكون،

ولم يكن الشعب الأندلسي وحده هو الذي فرح بذلك، وإنما شاركه في هذه الفرحة كثير من الشعوب الإسلامية الأخرى.

ذلك «أن يوسف بن تاشفين _ كما يقول يوسف أشباخ _ كان يخص الأمراء وحدهم بقسوته، وقد استطاع أن يجد الوسيلة لكي يفرق بين الشعب وبين حكامه بسرعة، ذلك أن التناقض بين مصلحة الشعب والأمراء كان واضحا، فقد كان الشعب يطلب الاتحاد وكان الأمراء يؤثرون التفرق والخلاف».

كذلك كان الشعب الأندلسي يشكو من إرهاق الضرائب له، وقد آن له أن يستريح من هذا الإرهاق على يد يوسف بن تاشفين الذي «لم يوجد _ على حد تعبير (ابن أبي زرع) _ في بلد من بلاده ولا في عمل من أعماله على طول أيامه، رسم مكس، ولا معونة، ولا خراج، لا في حاضره ولا في باديه، إلا ما أمر الله تعالى به وأوجبه حكم الكتاب والسنة».

وأية حاجة بيوسف بن تاشفين إلى يرهق الشعب بالضرائب وهو الذي كان معتدلا منقشفا في حياته الخاصة، كما كان يحكم دوليته بجهاز معتدل منقشف بسيط لا تعقيد فيه، يضاف إلى ذلك أنه كان من حقه أخرى غنيا جدا بما كانت تدره عليه من أموال انتصاراته المتوالية في الحروب.

على أن هنالك نصا تاريخيا مهما في الموضوع سجله لنا صاحب (وفيات الأعيان) لا بدل، فقط، على أن يوسف بن تاشفين لم يكن يرهق الشعب بالضرائب، بل يدل أكثر من ذلك على أنه كان يدرك إدراكا كاملا أن ظلم الشعب وابتزاز أمواله لإنفاقها في مظاهر الترف واللهو مضيعة للدولة وسبب في خرابها.

فقد روى صاحب (وفيات الأعيان) أن يوسف ابن تاشفين لما حل ضيفا على المعتمد بقصوره باشبيلية وعاين هو وأصحابه ما عاينوا من مظاهر الترف والزخرف والزينة، جعل بعض أصحابه يزينون له أن يتخذ لنفسه مثل هذه المظاهر التي يبدو فيها المعتمد بن عباد، فأجابهم: «الذي يلوح لي من أمر هذا الرجل أنه مضيع لما في يديه من الملك، لان هذه الأموال التي تعينه على هذه الأحوال لابد أن يكون لها أرباب لا يمكن أخد هذا القدر منهم على وجه العدل أبدأ، فأخذه بالظلم، وأخرجه في هذه الترهات، وهذا من أفحش الاستهتار».

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٢٩