يتوهمه _ لم يتورع عن محالفة (الفونسو السادس) الذي «استطاع _ كما يقول (يوسف أشباخ) _ بسرعة مدهشة أن يحشد جيشا آخر، ووفد عليه سيل من الفرسان والمحاربين الفرنسيين والنورمانيين، وكانت روح الفروسية المعاصرة التي اضطرمت بعدئذ في الحروب الصليبية، قد دفعت إلى إسبانيا بآلاف من فرنسا ومن جهات الألب لتشد أزر النصرانية في معركتها ضد الإسلام».
وكمثال لخيانة ملوك الطوائف _ وقد ذكرنا مثالا لها في الحديث عن المعتمد بن عباد _ نذكر هنا مثالا آخر نقلا بالنص عن (ابن خلدون) وذلك عندما يقول عن حصار جيش المرابطين لغرناطة: «واستنزل صاحبيها بعد أن كان منهما مداخلة الطاغية في عداوة يوسف ابن تاشفين»
فماذا ينتظر من يوسف ابن تاشفين أن يعمل إزاء هذه الحالة؟ أيرسل الأوامر إلى جيوشه بالانسحاب من الأندلس وتركها لملوك الطوائف يفعلون فيها ما يريدون؟ فيم إذا كان الجواز إلى الأندلس؟ وفيم إذن كانت هذه الحرب العاتية الضروس؟ وبماذا يجيب الوفود التي لا زالت تتوارد عليه من الأندلس تحت رئاسة العلماء والفقهاء تطلب إليه أن يربح الأندلس من ملوك الطوائف اللاهين المتنازعين؟ وماذا ستفعل الأقدار مرة أخرى بالشعب الأندلسي البئيس المسكين الذي علق عليه آماله ونظر إليه كمنقد، لا من (الفونسو السادس) وحلفائه فقط، ولكن من واقعه الأليم، ومن حياته الشقية، ومن ملوكه القساة الذين لا يرحمون، والذين تبتلع سهراتهم الصاخبة الماجنة كل أموال الشعب وعرقه وكفاحه؟.
ومع ذلك فيبدو أن يوسف بن تاشفين لم يتصرف بسرعة، وانه كعادته قد استشار كل من رأى أن استشارته تنفع في الموضوع، وكرجل متشبع بروح الدين لا يقدم على أمر من أموره إلا بعد أن يعرف حكم الله فيه، فإنه قد استشار علماء الدين؛ استشار الفقهاء في المغرب والأندلس، بل وفي المشرق العربي أيضا، فأفتوه جميعا بوجوب خلع ملوك الطوائف وبسط سلطانه المباشر على الأندلس، يقول (ابن خلدون): «وأفتاه الفقهاء أهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم، وصارت إليه بذلك فتاوي أهل الشرق الإعلام مثل الغزالي والطرطوشي».
ولنقف قليلا عند ذكر الغزالي والطرطوشي، أما الإمام أبو حامد الغزالي فهو معروف على نطاق واسع جدا، وفتواه في قضية كهذه لا يمكن أن يتطرق الشك إلى قيمتها، وأما أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، فهو عالم جليل من أصل أندلسي، وقد رحل إلى المشرق حيث طلب العلم على خيرة علماء عصره، واشتغل بالتدريس، وألف عدة كتب ذكر منها ابن خلكان كتاب «سراج الهدى» و «سراج الملوك» و «الفتن» وظل مقيما بالشرق إلى أن توفي بالإسكندرية، وكان من تلامذته ومريديه بها (المهدي بن تومرت) مؤسس دولة الموحدين فيما بعد هذه الحقبة من التاريخ.
ويبدو أن فتوى الإمام الغزالي لم تكن، فقط، بجواز خلع ملوك الطوائف، وإنما كانت صريحة بوجوب ذلك على يوسف بن تاشفين بالذات، يقول في ذلك الدكاترة (فليب حتى، وادوارد جرجي، وجبرائل جبور) في كتابهم «تاريخ العرب»: «إلا أن الغزالي كان قد تقدم إعلام المشرق الذين أفتوا بالموافقة على رأي فقهاء الأندلس في أن يوسف بن تاشفين له الحق في خلع ملوك الطوائف، والتخلي عنهم وعن العهود التي قطعها لهم، وأن انتزاع الأمر من أيديهم، ليس حقا، بل واجبا يترتب عليه».
ويقول (كارل بروكلمان) في كتابه «تاريخ الشعوب الإسلامية» ترجمة نبيه فارس ومنير البعلبكي، يقول بعد أن ذكر استفتاء يوسف لفقهاء المغرب والأندلس: «ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى استطلاع رأي أشهر فقهاء المشارقة في هذا الحكم، زيادة في الاطمئنان، فأيدوه جميعا، وفي جملتهم الفقيه الكبير الغزالي».
ثم ماذا فعل يوسف بن تاشفين بعد ذلك كله؟ إنه لم يزد - وقد أصبح لديه اليقين الكامل بمشروعية الأقدام على العمل _ على أن كتب لقائد جيوشه بالأندلس، قريبه سيري بن أبي بكر، بأمره بأن يتقدم إلى ملوك الطوائف واحدا واحدا، ليطلب منهم النزول عن عروشهم ومغادرة الأندلس إلى المغرب، فمن امتنع من ذلك نفذ فيه الأمر بالقوة.
ويجمع كثير من المؤرخين الذين رووا قصة هذا الجواب، على النص بأنه لم يأمره بشيء فيما يتعلق بالمعتمد بن عباد، كما يذكر بعضهم الآخر أنه أمره إلا يتعرض للمعتمد بشيء إلا بعد الفراغ من الملوك الآخرين.