نعم كان من الممكن أن يكون يوسف أكثر كرما، فينزل المعتمد وعائلته منزلا حسنا ويوسع عليهم في الرزق، ولكننا في الحقيقة لا نعرف عن ذلك شيئا لان كل ما تعرفه عن حالة المعتمد بن عباد وعائلته في السجن، إنما مصدره قصائده الشعرية التي انشدها في الشكوى من حاله وفقره وحاجته، وهي شكوى شاعر ملك، مرهف الإحساس من جهة، ومتعود على الرفاهية ورغد العيش من جهة أخرى.
ومهما يكن من مستوى الحياة التي كان يحباها المعتمد في اغمات، فلعل الحياة المنقشفة التي كان يحياها يوسف بن تاشفين بالرغم من اتساع مملكته وازدهارها وغناها، ولم تكن تختلف عنها اختلافا كبيرا، بل أن المؤرخ الألماني (يوسف أشباخ) يرجع إلى هذه الحياة المعتدلة المتقشفة سر الصحة التي كان يتمتع بها يوسف بن تاشفين، وانه استطاع أن يعمر مائة سنة.
يقول المؤرخ المذكور (يوسف بن تاشفين: «وقد بلغ من اعتداله وتقشيفه أنه لم يكن يأكل سوى خبز الشعير ولحم الإبل، ولا يشرب سوى لبن الإبل، والى هذا الاعتدال والتقشيف يرجع الفضل فيما كان يتمتع به من صحة بديعة وفي كونه قد عاش مائة عام، وهو عمر نادر البلوغ».
وأنه لمن المضحك الطريف أن نتصور أنه في الوقت الذي كان يوسف بن تاشفين يأكل خبز الشعير ويشرب لبن الإبل بعاصمة إمبراطوريته مراكش، كان المعتمد يبكي في سجنه أو منفاه باغمات، لان أقدام زوجه وبناته لم تعد _ كما كان العهد بها _ تطأ المسك والكافور.
*
على أن المرابطين في عهد يوسف بن تاشفين لم ينكبوا المعتمد وحده، وإنما نكبوا معه وقبله معظم ملوك الطوائف الذين كانوا يقتسمون الأندلس ويعيشون فيها فسادا، ويقضون حياتهم بين لهو وتلذذ بالحياة من جهة، وبين كيد لبعضهم وتطاحن ونزاع فيما بينهم من جهة أخرى، والعدو ينزل بهم الضربات تلو الضربات ويحتقرهم ويغزوهم ويأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، والشعب، الشعب الأندلسي المسكين، يدفع الضرائب في غير رحمة ولا شفقة، ويتألم، ويندب حظه التعس، وينتظر بعد أن يئس من صلاح أحواله على يد ملوكه وأمرائه أن يأتيه الله بمعجزة، وقد أتته المعجزة فعلا في ركاب خيل المرابطين لنؤمنه بعد خوف، ونعيد إليه كرامته بعد ذلة، وتحفظ عليه أمواله وحقوقه بعد أن عبث بهما ملوك الطوائف.
ولسنا ننكر أن قواد يوسف بن تاشفين العسكريين الذي خلفهم على رأس جيوشه بالأندلس _ بعد أن غادرها هو إلى المغرب _ وعلى رأسهم قريبه سيري ابن أبي بكر، قد استعملوا شيئا من القسوة في نكبة بعض ملوك الطوائف، وأنهم قتلوا بعضهم واستصغوا أموالهم؛ لسنا ننكر ذلك، ولكن لا ينبغي أن ننسى أسبابه، ونتلخص هذه الأسباب في أن ملوك الطوائف جميعا _ كما أسلفنا في حق المعتمد بن عباد _ قد تبين من بعد، أنهم لم يكونوا جادين فيما أظهروه من الغيرة على العروبة والدين عندما استنجدوا بيوسف بن تاشفين، وأنه ما كاد ضغط العدو ينزاح عن صدورهم، ويعود ابن تاشفين، إلى المغرب، حتى عادوا سيرتهم الأولى التي كانت السبب فيما حل بهم وببلادهم.
وعندما كان الجيش اللمتوني المرابط في الأندلس يتتبع العدو _ بعد عودة يوسف إلى المغرب _ ويتحمل من أنواع البلاء والكفاح وخشونة العيش ما لا يطاق؛ في ذلك الوقت بالذات، كان ملوك الطوائف جميعا قد عادوا إلى قواعدهم سالمين، قد عادوا إلى مجالس لهوهم وسمرهم ورفاهيتهم، يتذوقون ألوان الخمور المعتقة، ويستمعون إلى الغناء، ويتمايلون مع القدود الهيفاء، قدود الراقصات الجميلات.
وقد استرعت هذه الحالة المؤلمة انتباه القائد العسكري لجيش المرابطين «سيري ابن أبي بكر» فكتب إلى ملكه بالمغرب يوسف بن تاشفين يصف له هذه الحالة ويقول له: «أنه لا يستقيم لهذه الجيوش أن تقيم بالثغور في ضنك من العيش، تصابح العدو وتماسيه، وتحظى ملوك الأندلس من الأرزاق برغد العيش» كما ورد بالنص في (وفيات الأعيان لابن خلكان) وكما ورد بهذا المعنى، وبتحرير بسيط في اللفظ، عند غيره من المؤرخين.
بل أن ملوك الطوائف عادوا إلى حروبهم الباردة والساخنة معا ضد بعضهم، كما أن بعضهم الآخر _ وقد بدا يحس باقتراب الخطر من المرابطين أو