فقد كان ذنب المعتمد بن عباد الذي سبق من أجله إلى السجن، من الفداحة، بحيث يعتبر السجن المؤبد كعقاب عنه، نوعا من العفو والصفح اللذين يذكرهما المؤرخون كصفتين من صفات يوسف بن تاشفين.
وإذا كنا لا نتمثل ذلك أو نراه في وضوح، فلأننا ألفنا من المؤرخين أ، يسوقوا لنا الأخبار التاريخية منفصلة عن بعضها، لا تجمعها وحدة _ بالضبط كما يعاب على القصيدة العربية _ ومن ثم فنحن نقرا أخبار المعتمد مثلا، فتتأثر لكل خبر منها على حدة نوع التأثير الذي يحسه المؤرخ ويعمل على أن ينقله إلينا.
ولو جمعنا أخبار المعتمد كلها منذ بداية قصة الاستنجاد بيوسف بن تاشفين إلى دخول السجن باغمات، ونظرنا إليها كوحدة، لتبين لنا أن الحماس الذي أبداه المعتمد في الاستنجاد بيوسف بن تاشفين، لم يكن من أجل استنقاذ الأندلس، ولا من أجل الرغبة في الاحتفاظ بعرشه ومملكته، بل ومحاولة توسيع أطراف هذه المملكة على حساب بعض ملوك الطوائف الآخرين، بعد التخلص _طبعا _ من ضغط (الفونسو السادس) وحلفائه من الأمراء النصارى، وذلك بالاستعانة بنفوذ يوسف بن تاشفين وقوته.
ويذكر بعض المؤرخين أن بداية الجفوة بين المعتمد بن عباد ويوسف بن تاشفين _ أو من أسبابها على الأقل _ أن يوسف في جوازه الثالث إلى الأندلس انتزع «غرناطة» من أميرها عبد الله بن حبوس أحد ملوك الطوائف، وذلك لما ثبت لديه من خيانته وتعامله مع الفونسو السادس، وأن المعتمد بن عباد كان يطمع في ضم (غرناطة) إلى مملكته، وأنه عرض بذكر ذلك أمام يوسف بن تاشفين فلم يجبه إلى طلبه، يقول صاحب (الاستقصا): «ويقال أن ابن عباد طمع في غرناطة، وأن أمير المسلمين، فخاف ابن عباد منه وعمل على الخروج عليه».
وإذا كانت هذه القضية كما يعرضها صاحب (الاستقصا) تبدو فاقدة لبعض الحلقات لكي تتم منطقيتها، كما يلقى عليها سحابة من الشك أن المؤرخ بدأها بقوله: «ويقال» فان الذي لا يتطرق إليه الشك، ويجمع عليه كل الذين كتبوا تاريخ هذه الحقبة، أن المعتمد بن عباد عندما أحس بالخطر على مملكته، وعندما رأى أمارات ملوك الطوائف الآخرين تصفى الواحدة بعد الأخرى، لم يتورع عن أن يراسل (الفونسو السادس) نفس العدو القديم، وأن يستعين به على دفع خطر المرابطين، خصوصا عندما عمد هؤلاء إلى حصار اشبيلية قاعدة مملكته، يقول (ابن خلدون) عن المعتمد: «واستنجد الطاغية فعمد إلى استنقاذه من هذا الحصار فلم يغن عنه شيئا».
ويقول (ابن أبي زرع) في (الأنيس المطرب) في نفس الموضوع: (فبعث المعتمد إلى «الفونسو السادس» أخزاه الله، يستغيث به ويستصرخه على لمتونة، وبعده بإعطاء البلاد، وبذل الطارف والتلاد، أن كشف عنه ما هو فيه من الحصار، فبعث إليه الفنش قائده القومس في جيش ........ فكانت بينهم حروب شديدة مات فيها خلق كثير من المرابطين.
وهكذا يبدو أن المقالة المشهورة عن المعتمد بن عباد عندما كان يفكر في الاستنجاد بيوسف بن تاشفين، وأن بعض أقربائه ومساعديه نصحوا إليه بالعدول عن هذه الفكرة خوفا من طمع يوسف بن تاشفين في الاستيلاء على الأندلس، وأنه أجاب هؤلاء الناصحين بأنه يفضل أن يرعى الجمال لملك المغرب على أن يرعى الخنازير لملوك النصارى في الأندلس، أقول: يبدو أن هذه المقالة لا تعدو واحدة من اثنتين: أما أن تكون كذبة جميلة منمقة من وضع بعض المؤرخين الذين كتبوا تاريخ المعتمد تحث تأثير شاعريته، وأن تكون جوابا شعريا جميلا خاليا من كل معنى أو قصد، اخرس به المعتمد معارضيه في فكرة الاستنجاد بيوسف بن تاشفين، وإلا فإن المعتمد قد برهن في النهاية باستعانته بالفونسو السادس على دفع حصار المرابطين، ووعده له «بإعطاء البلاد وبذل الطارف والتلاد» على أنه لا يفضل رعي الجمال ولا رعي الخنازير، وإنما بفضل عليهما معها الاحتفاظ بمملكته بأي ثمن، ولو بالاستعانة بالفونسو السادس أو بيوسف بن تاشفين، فإنهما عنده معا _ في حدود منطق تصرفاته _ على حد سواء.
وهكذا يبدو أيضا من جهة أخرى، أن يوسف بن تاشفين لم يكن قاسيا ولا فظا غليظا في سجنه المعتمد أو نفيه صحبة عائلته إلى اغمات.