تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقصة سجن المعتمد بن عباد نفسها التي أقامت الدنيا وأقعدتها، قد لا تعدو أن تكون مثالا لهذه الصفة التي احتفظ بها التاريخ ليوسف بن تاشفين، وهي أنه أبطل عقوبة الإعدام أو كاد، وأن «أكبر عقابه الاعتقال الطويل».

وأكاد أكون موقنا أن المعتمد بن عباد _ ذلك الشاعر الرفيق _ لو كان هو الذي وضعته الظروف مكان يوسف بن تاشفين لما استطاع أن يتصرف تصرفا أكرم، إن لم يعمد إلى القتل في قسوة وفي غير تردد أو تفكير، وليس هذا الكلام يلقي جزافا ولكن المعتمد بن عباد _ الشاعر الرفيق _ قد قدم لنا ما يبرز هذا الاستنتاج بإقدامه على قتل صديق طفولته وشبابه، ووزيره وصفيه، الشاعر ابن عمار، لم يقتله شنقا ولا ضربا بالسيف، ولم يكلف به من ينفذ فيه حكم الإعدام الذي أصدره عليه، وإنما قتله بيديه _ بيديه الشاعرتين_ قتله ضربا (بالطبرزين) على حد تعبير (المراكشي) في كتابه (المعجب) وهو سلاح حديدي يقرب في شكله من الفأس، وذلك لأسباب مهما يكن من قولها فإنها أقل قيمة بكثير من الأسباب التي اقتضت يوسف بن تاشفين أن يدين حليفه السابق إلى أغمات حيث يقضي بقية حياته بها في السجن.

ذلك أن هذه الأسباب تتعلق بسلامة الأندلس كلها، وأنه يدخل فيها عامل الخيانة، والاستعانة ضد يوسف بن تاشفين (بالفونسو السادس) نفس العدو الذي كان المعتمد بن عباد وغيره من أمراء الطوائف يستنجدون ضده بالأمس بيوسف بن تاشفين

وهذه حقائق تاريخية لا يسع أي واحد مهما بذل من جهد أن ينكرها أو يتجاهلها.

بل أن المؤرخ الذي بسط قصة ابن عمار مع المعتمد بن عباد هو (عبد الواحد المراكشي) نفسه صاحب (المعجب)، ذلك المؤرخ المغربي الذي بلغ من عطفه على المعتمد وتأثره لمصابه وإيمانه بشاعريته، أنه كلما أفاض في ذكر شأن من شؤونه _ حتى البعيدة كل البعد عن ميدان الشعر وعالمه _ تطغى عليه موجة من الفنية والشاعرية والإحساس، تبدو واضحة في الأسلوب الرشيق المنمق الذي يصطنعه للحديث عن المعتمد بن عباد، مع أنه في سائر كتابه يكتب بأسلوب سهل بسيط لا صناعة فيه.

وإذا كانت الأشعار التي انشدها المعتمد بن عباد في وصف حاله في السجن باغمات، قد أثرت تأثيرا كبيرا في الأسلوب الذي كتب به تاريخه ودونت به قصته؛ وإذا كنا جميعا نلاحظ أن يوسف بن تاشفين لم يتأثر بهذه القصائد أما لأنها لم تصل إليه، وأما لأنه لم يفهمها، وأما للأي سبب آخر؛ فيجب ألا ننسى أن الشاعر البئيس أبا بكر بن عمار، وزير المعتمد وقتيله، قد نظم هو الآخر، وهو في سجن المعتمد بن عباد، قصائد يقول في وصفها صاحب (المعجب): «لو توسل بها إلى الدهر لنزع عن جوره، أو إلى الفلك لكف عن دوره، فكانت رقى لم تنجع ودعوات لم تسمع، وتمائم لم تنفع».

هذا مع العلم اليقين بأن هذه القصائد وصلت إلى المعتمد بن عباد وقراها وفهمها وتذوقها، بل رد على من حاول أن يعيب بعض أبياتها، وشرح له سر العبقرية والشاعرية في الكلام الذي يحاول أن يعيبه وينقص من قدره، أما نكاية بالشاعر السجين، أو تملقا للشاعر الذي أمر بسجنه، قبل أن يقتله في النهاية بيديه شر قتلة وأقساها وأفظعها.

أننا لا نقل عن أي واحد من الذين كتبوا قصة المعتمد بن عباد مع يوسف بن تاشفين، تذوقا لشعر المعتمد، أو تألما لنهايته، ولكننا نريد فقط أن يعطي ما لله لله، وما لقيصر لقيصر, فشاعرية المعتمد رقيقة قوية عظيمة من غير شك، وقصته مؤثرة، ولكن ذلك لا ينبغي أن يغطى على أن نصرف يوسف بن تاشفين معه كان تصرفا سليما لا مطعن فيه إذا نظرنا إليه بمنطق الأحداث التاريخية، وفي حدود أشباهه ونظائره من هذه الأحداث.

بل أنني أذهب إلى أبعد ذلك فأقول: انه كان تصرفا كريما، خصوصا إذا قارناه بتصرف المعتمد نفسه مع وزيره ابن عمار، وتصرف هارون الرشيد _ مثلا_ مع البرامكة، وبغير ذلك من المواقف والأحداث والتصرفات وهي كثيرة في التاريخ لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحاته.

إنني لا أتردد في أن أذكر قصة سجن المعتمد ابن عباد كمثال لما يصف به المؤرخون يوسف بن تاشفين من أنه «كان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام» وان «أكبر عقابه الاعتقال الطويل»

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٢٥