تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطويلة ليجد أن الأمر قد خرج نهائيا من بين يديه، وأن يؤسف بن تاشفين قد أمر أمره واستفحل سلطانه وعظم جيشه وكثرت أمواله وفتوحه وتمكن حبه من قلب رعيته تمكنا لا مزيد عليه، ولم يدر يوسف أبتشبث بمركزه أم يتنازل عن الأمر بمنتهى البساطة والسهولة لابن عمه أبي بكر بن عمر؟ واستشار في ذلك أقرباءه والمحيطين به على عادته في كل ما كان يعرض له من الأمور، وكان ممن استشارهم زوجة زينب بنت إسحاق النفزاوية.

فبماذا أجابته زينب؟

نورد هنا جوابها بالنص الذي أورده به صاحب (الاستقصا) وهو لا يخرج في معناه عن مختلف الصيغ التي ورد عليها هذا الجواب في كتب غيره من المؤرخين، قالت زينب:

«إن ابن عمك متورع عن سفك الدماء، فإذا لقيته فاترك ما كان يعهده منك من الأدب والتواضع معه، وأظهر أثر الترفع والاستبداد حتى كأنك مساوله، ثم لاطفه مع ذلك بالهدايا».

والشيء الذي لا ينبغي أن ننساه أن هذه النصيحة ليوسف بأن يترك ما كان يعهده فيه ابن عمه من الأدب والتواضع، ليست موجهة لغلام مراهق أو شاب في أول سن الشباب، وإنما هي موجهة لرجل مكتمل الرجولة في نحو الخمسين من عمره، ثم هي موجهة إليه من امرأة من النساء الدواهي اللاتي ساهمن بحظ كبير في صنع التاريخ.

وشيء آخر، هو أن هذه المرأة كانت عليمة أحسن العلم بطباع الرجلين معا؛ أبي بكر بن عمر، ويوسف بن تاشفين، فقد كانت زوجة للأول قبل أن يطلقها لتستكمل عدتها ويتزوجها الثاني، ولذلك قصة قد نعود إليها.

فهي عندما تذكر عن أبي بكر بن عمر _ زوجها السابق _ أنه متورع عن سفك الدماء وأنه يحسن إظهار القوة له وملاطفته بالهدايا، إنما تتحدث عن دراية وخبرة وتجربة، يؤيدها التاريخ، فقد قال التاريخ مما قاله بالحرف في وصف أبي بكر بن عمر، أنه: كان رجلا ساذجا خير الطباع.

كما أنها عندما تنصح ليوسف_ زوجها الأخير_ بأن يترك ما كان يعهده فيه أبن عمه من الأدب والتواضع، إنما تنصح إليه في الواقع بأن يتغلب على صفات أصيلة فيه، هي أدرى بها.

ولا تكتفي زينب بذلك، وإنما تزيد عليه فترتب ليوسف الطريقة التي يجب عليه أن يلقى بها ابن عمه، فهي تنصح له أن يلقاه راكبا، وإلا يترجل له عن فرسه، وأن يقابله في موكب كبير يحشد فيه جيوشه كلها.

وقد ثم كل ذلك وفق ما أشارت به زينب، ونجحت الخطة نجاحا كاملا، وعاد أبو بكر بن عمر إلى الصحراء ليموت بعد أربع سنين في بعض حروبه في السودان. وتمت الصفة القانونية لإمارة يوسف ابن تاشفين بتنازل ابن عمه له، ليصبح بعد حين إمبراطورا عظيما يحمل لقب «أمير المسلمين» ويتمنى رجل كالإمام الغزالي أن لو كان ببلاده مثله، بل يزمع أمره على الرحلة إليه فيما تروي بعض كتب التاريخ لولا أن المنية تحول بينه وبين تنفيذ ما كان يقصد إليه.

*

وينسجم أيضا مع هذه الصفات التي ذكرنا ليوسف بن تاشفين ما يصفه به المؤرخون من أنه _ كما يقول (ابن الأثير) في وصفه _: «كان حسن السيرة خيرا عادلا، يميل إلى أهل العلم والدين .. وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام».

ولا ينبغي أن نمر سراعا على هذه العبارة الأخيرة التي تقول عن يوسف بن تاشفين أنه «كان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام». فان التاريخ ليؤكد لنا أن يوسف بن تاشفين قد وصل فيما يتعلق بالجريمة والعقاب إلى نتيجة لا زالت أكثر الدول حضارة في هذا العصر تسعى للوصول إليها، تلك هي إلغاء عقوبة الإعدام، فقد كان يوسف كما ذكر صاحب (الحلل الموشية): «أكبر عقابه الاعتقال الطويل».

أي أن أقصى عقوبة كان يمكن أن يعاقب بها مجرما، هي السجن المؤبد، ولعلنا نستطيع أن نعثر لذلك على بعض الأمثلة في الجرائم السياسية بالذات، أما غيرها من الجرائم الأخرى فقد كانت متروكة للقضاء، وقد كان القضاء يتمتع في عهد يوسف بن تاشفين باستقلال واحترام كبيرين. كان يوسف يدبر شؤون الدولة العليا وشؤون الحرب، وذلك بعد أن «رد أحكام البلاد إلى القضاة وأسقط ما دون الأحكام الشرعية» على حد تعبير صاحب (الأنيس المطرب).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٢٤