ونحن لا نريد أن نهتم أكثر من اللازم بهذا الشاعر أو بغيره من الشعراء المرتزقة، وإنما الذي يهمنا أن هؤلاء الشعراء قد استطاعوا _ كأداة دعاية مغرضة _ أن يؤثروا في التاريخ ويوجهوه، بل وأن يحملوا بعض المؤرخين المغاربة أنفسهم على أن يكتبوا تاريخهم تحت تأثير محفوظاتهم ومقروءاتهم من شعر هؤلاء الشعراء.
فهل كان يوسف بن تاشفين في حقيقته ذلك الرجل الفدم القاسي الغليظ، ذلك البغل الذي يتحدث عنه الشاعر الأندلسي وغيره من الشعراء؟؟
سنرى، وسنترك للتاريخ نفسه أن يقدم لنا شخصية يوسف بن تاشفين، وان كان التاريخ مع الأسف الشديد لم يعن بأن يقدم لنا صورا كاملة عن الرجال الذين تحدث عنهم، وإنما عنى في الدرجة الأولى بأن يتحد عن أعمالهم العسكرية والحربية بالذات، ولكننا - مع الحاجة إلى التذرع بالصبر الكبير - قد نستطيع أن ننفذ من خلال هذه الأحاديث الطويلة عن الأعمال العسكرية والحربية إلى بعض النصوص التي تساعدنا على الوصول إلى ما نقصد إليه.
ولنبدأ من ذلك بالصفات الشكلية ليوسف بن تاشفين وان كانت لا تعنينا في الدرجة الأولى، ولكنها تعنينا من حيث أن الصفات الشكلية جزء من الشخصية، تكون مع الصفات المعنوية كلا واحدا هو الذي يعرف باسم الشخصية.
لقد سجل (ابن خلكان في وفياته) ترجمة إضافية ليوسف بن تاشفين، وهو يذكر في أول هذه الترجمة أنه اعتمد فيها على كتاب «المعرب عن سيرة ملوك المغرب» لمؤلف مجهول لدى ابن خلكان، ولكنه يذكر أن تاريخ تأليف الكتاب سنة 599?، أي قبل مضي قرن على وفاة يوسف بن تاشفين الذي توفى في سنة 500. فماذا يقول (ابن خلكان) أو ماذا يقول صاحب (المغرب) في صفة يوسف بن تاشفين.
يقول عنه: «وكان يوسف معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، دقيق الصوت».
ويتعاقب المؤرخون بعد صاحب كتاب «المعرب» على اختلاف مصادرهم ومراجعهم ليذكروا في وصف يوسف بن تاشفين من حيث الشكل صفات من هذا القبيل، وقد يزيد عليها بعضهم مالا يخرج عن معناها.
يقول ابن أبي زرع في كتابه (الأنيس المطرب) في وصف يوسف بن تاشفين: «أسمر اللون، نقيه، معتدل القامة، نحيف الجسم، خفيف العارضين، دقيق الصوت، أكحل العينين، أقنى الأنف، له وفرة تبلغ شحمة أذنيه، مقرون الحاجبين، جعد الشعر»
ولعل هذا النص على قصره كاف لعطاء صورة عن خلقة يوسف بن تاشفين.
وقد اختصر هذا النص وأمثاله من النصوص التاريخية الواردة في موضوعه المؤرخ الألماني (يوسف أشباخ) في كتابه (تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين) الذي نقله إلى العربية (الأستاذ عبد الله عنان) وذلك حيث يقول في وصفه: «وكان هذا الرجل الذي خلق للزعامة يجمع بين جمال الطلعة والجسم، وبين أبدع المواهب العقلية».
إذن، فلم يكن يوسف بن تاشفين _ من حيث الشكل على الأقل_ ذلك الغول المخيف الذي تصوره لنا أشعار الشعراء المرتزقة من أهل الأندلس ومن تأثر بهم من الأدباء والمؤرخين.
لقد كان يقدمه لنا التاريخ وسيما نحيفا معتدلا، ترتاح النفس لمرآه.
ولعل هذه الصفات الشكلية تنسجم انسجاما كاملا مع بعض صفاته المعنوية التي احتفظ لنا بها التاريخ، يقول (ابن خلكان): « .. وكان حسن الأخلاق متواضعا كثير الحياء جامعا لخصال الفضل» وتتكرر هذه العبارة بنصها، أو بتحرير بسيط، في كتب كثير من المؤرخين.
ومن استعراض حياة يوسف بن تاشفين نستطيع أن نعثر على بعض الأمثلة التي تؤيد ما وصفه المؤرخون والحافظون لسيرته من حسن الأخلاق والتواضع وكثرة الحياء.
فنحن نعلم أنه قبل أن يصبح أميرا، أو أميرا للمسلمين، كان قائدا عسكريا لجيش ابن عمه الأمير أبي بكر بن عمر، وأن هذا الأخير اضطر إلى العودة إلى الصحراء لأسباب ليست من موضوعنا، فاستخلف على مملكته بنواحي مدينة مراكش التي لم تكن قد بنيت بعد، ابن عمه يوسف بن تاشفين.
وعاد الأمير أبو بكر بن عمر بعد سنين من رحلته