دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص 48
جولات قصيرة في تاريخ المغرب: جوانب من شخصية يوسف بن تاشفين
بقلم: عبد القادر الصحراوي
عندما يذكر يوسف بن تاشفين ينصرف الذهن حالا إلى الفتوحات العظيمة التي حققها في شمال إفريقيا والأندلس، والى وقعة الزلاقة بالذات ضد (الفونسو السادس) وحلفائه من الأمراء النصارى، والى قصة المعتمد بن عباد، ولا أقول ماساته؛ أنها ليست في الحقيقة مأساة، وإنما هي قصة ذات نظائر وأشباه كثيرة في التاريخ، بل أنها بين هذه الأشباه والنظائر أقلها عنفا وقسوة. وقد نعود إلى هذه النقطة بشيء من التفصيل لاتصالها بموضوعنا الذي نريد أن نتحدث فيه اليوم في وهو الكشف عن بعض جوانب شخصية يوسف بن تاشفين.
نحن لا نريد في هذا الحديث أ، نعرف شيئا عن يوسف بن تاشفين، فنحن نعرف عنه الكثير، ولكننا نريد أن نعرفه هو نفسه، نريد أ، نتعرف عليه، نريد أن نلتمس في بطون كتب التاريخ التي تعج بأخبار الحروب والفتوحات والمنازعات ما عسى أن يساعدنا على معرفة حقيقة هذا الرجل الصحراوي البسيط الذي استطاع في مدة قصيرة أن يكون إمبراطورية واسعة الأطراف، وأن يضبط أمورها ويحكمها بالعدل، وأن يكسب لنفسه وللمغرب الذي أنجبه سمعة طيبة عريضة واسعة، واحتراما كبيرا، ومركزا دوليا مرموقا، ثم بعد كل ذلك، تاريخا مجيدا لا يزال المؤرخون في الشرق والغرب حتى اليوم يتحدثون به في إعجاب كبير، وذلك بالرغم من الدعايات المغرضة التي تسللت عنه إلى التاريخ، والتي كانت أداتها الأولى هي السنة الشعراء الأندلسيين الذين فقدوا بفقد ملوك الطوائف على يد يوسف بن تاشفين، مصدر ما كانوا ينعمون به من عيش رغد وحياة مرفهة على حساب الشعب الأندلسي المسكين، الذي كان يدفع الضرائب لتشاد بها القصور، وتشتري الآنية، وتعتق الخمر، وتتكون أجواق الموسيقى وفرق الرقص، ويصطنع الشعراء والندمان.
نعم لقد استطاع هؤلاء الشعراء الذين امتد تأثيرهم إلى التاريخ نفسه، أن يصوروا لنا يوسف ابن تاشفين في صورة رجل قدم قاس غليظ، رجل جاهل متأخر مجرد من الإحساس والإنسانية والعواطف الكريمة النبيلة، بل أن بعض هؤلاء الشعراء الأندلسيين لم يتورع عن أن يشبهه بالبغل! وذلك في الوقت الذي لم يتورع فيه عن أن يشبه الذين يؤمرونه عليهم بالحمير!!
يقول هذا الشاعر الوقح:
ولا تنكرن إما رأيت مقدما على حمر بغلا فثم تناسب!!
يقول ذلك! مع أن يوسف بن تاشفين والذين قدموه عليهم، هم الذين أنقذوه وأنقذوا قومه من عسف (الفونسو السادس) واستهتاره وقسوته وتكالبه واحتقاره لهم بشكل لا يمكن لأي إنسان حر كريم أن يصبر عليه أو يقدر على احتماله!!