من غير تمحيص لما هو ممكن مما هو غير ممكن الوقوع، شان كثير من المؤلفات التي وضعت على هذا المنوال «كسلوة الانفاس» مثلا. وهذه طريقة في التاليف تمتاز بالامانة في النقل، والامانة اول صفة يتعين على المؤلف ان يتصف بها قبل غيرها ليكون ثقة عند الاجيال الذين يتلونه في التاريخ. ومسلكه في هذا التاليسف يقضي بان يقدم لك تراجم بما فيها من غث وسمين وبما فيها من احداث هامة او تافهة بحيث لا يمكن ان تستعملها حسب طرق التاليف العلمية الا كالمواد الخام، تاخذ منها وترد، وتعتبرها كنصب تستنبر بها في طريق البحث والتصنيف العلمي.
وليس لنا ان نعتبر هذا النوع من التاليف قصورا او تقصيرا من المؤلفين في تلك البيئات والاجيال، واذا فعلنا ذلك تكون من الظالمين لان اولائك المؤلفين صنفوا كتبهم حسب ما كان معمولا به من الاوضاع في التاليف في وسطهم، ولا يسوغ لنا ان نحاسبهم بقوانين واوضاع لا علم لهم بها، بل لربما كانوا يعتبرونها خالية من كل ضمانة علمية وتاريخية؛ اذ الضمانة التاريخية في نظرهم هي النقل مباشرة على منقول عنه هو ناقل من غيره، إلى آخر النقلة حتى تصل سلسلة الناقلين إلى الحادث او إلى الشخص المترجم له او المحدث عنه. وحين يعملون ذلك انما يطبقون على التاريخ طرائق اهل الحديث الصحيحة والتي وضعت في عهود كان البحث التاريخي كما نفهمه اليوم لا زال لم يخلق لان ابن خلدون - وهو اول من فكر فيه - كان نفسه لم يخلق.
ولقد عرف العلماء الاجانب من المستشرقين قيمه هذا الكتاب التاريخية حين اطلعوا على الاجزاء الاولى منه، حين طبعها حوالي سنة 1934 او فيما بعدها فاستدعت جامعة ليدن المؤلف للحضور إلى هولاندا بقصد تكريمه وفعلا قام برحلة - وهو رحالة كبير- إلى تلك البلاد وكرموه، ومكث بين ظهرانيهم ضيفا مدة اسبوعين على تلك الجامعة قوبل فيها بكل حفاوة لم يسبق لمؤلف مغربي ان كرم على هذا الشكل.
والان وقد صار مؤلف هذا الكتاب إلى رحمة ربه، لم يبق لنا الا ان نعمل على اتمام طبعه وان كنا نواجه في ذلك عقبات كؤود. لان المؤلفات مثله كثيرة وقد وقع لها مثل ما وقع لكتاب السيد (عباس بن ابراهيم) وبقيت مشلولة لعجز ورثة المؤلفين عن القيام بواجبهم نحو تراثهم الفكري.
فلم يبق الا التوجه والتوسل إلى الهيئات التي تشرف على شؤون الثقافة والعلم في هذه البلاد وعلى راسها وزارة التهذيب الوطني، اذ لها من الوسائل ما يمكنها من القيام بهذا العمل العلمي المفيد على احسن ما يرام. فما عليها الا ان تواصل السير فيما كان يسير عليه معهد الدراسات العليا سابقا من نشر المؤلفات القديمة والحديثة، الغث منها والسمين، لان المشرفين على ذلك اذ ذاك لم يكونوا مغاربة، فكيف بعقل ان تقف وزارة المعارف الان عن العمل وهي مغربية الرئاسة والاتجاه في طريق سلكه من لم يكونوا مغاربة في شيء؟