تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع 10 /يوليوز 1959 .................... ص 46

في ذمة السنة والتاريخ مؤلف كتاب "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"

السيد عباس بن إبراهيم المراكشي

للأستاذ عبد الكبير الفهري الفاسي

سفير المغرب في تركيا وإيران

فجع عالم الفكر المغربي بوفاة عالم من علمائه وهو العلامة السيد (عباس بن إبراهيم المراكشي) عن سن ناهزت الثمانين سنة.

ولقد كان الفقيه من خيرة علماء المغرب على الطراز القديم الذي ترى الان البقية الباقية من ممثليه يذهب افرادها القلائل الواحد تلو الاخر. وكان لهذا النوع من العلماء مشاركة في جميع العلوم التي وصلت اليهم او وصلوا إلى ادراكها. فكانوا فقهاء، محدثين مفسرين، موقتين، ادباء، مؤخرين، وحتى سحرة ومتطيبين. حدقوا أكثر الكتب المؤلفة في هذه العلوم وأصبحوا قادرين على تدريسها تدريسا يعتمد على الحفظ والتحصيل والشرح والتعليق والمناقشة والجدال في ألفاظ المؤلفين والتعقيب على من شرحوهم وعلقوا عليهم. فكان ذلك التدريس يمكن ذوي الهمم من طلبتهم- ان يصبحوا مثلهم «نسخا مطابقة للأصل».

وهذا النوع من المشاركة العلمية الممتازة بالاحاطة والشمول كاد ان ينقرض الآن بحكم مقتضيات العهد الذي نعيش فيه، وبحكم أساليب التعليم فيه وهي غير اساليبه بالأمس، والغاية من العلم بالأمس هي غير الغاية منه الان. فهل في ذلك خير للامة ام لا؟ مسالة نترك النظر فيها لمن يهمهم الامر من الاختصاصيين او من يعتقدون في انفسهم ذلك، على ان لنا نظرا فيها نرجئ الكلام عنه إلى فرصة اخرى.

ولقد ظهرت نجابة الفقيد في التحصيل والحفظ وهو لا زال صغير السن حتى انه لما ورد إلى فاس في ركاب المولى عبد الحفيظ رحمه الله في زمرة من جاؤوا معه من مراكش، كالفقيه ابن كبور والسيد احمد الازموري- ادهش علماء فاس واعتبروه اعجوبة هو ورفيقه الأول في العلم والأدب والشعر، والثاني في صناعة الترسل.

فالسيد (عباس ابن ابراهيم) من العلماء الذين لن نجد لهم غدا مثيلا من حيث المشاركة، غير انه غلبت عليه الشهرة بالفقيه وان عرف كذلك بالتاريخ. وهذا ما يهمنا الان من امره.

وقد عرف بتوسيعه في علم النوازل والقضاء، وتقلب في عدة مناصب قضائية زاد فيها تجربة ومعرفة، وتصرف فيها بعلمه الرحب الجوانب وان كان ضيق الصدر عند التطبيق، شان كثير من فقهائنا الذين يعتقدون ان ادنى خروج عن انظار المالكية يبعدهم عن حظيرة السنة والجماعة.

ولا نعرف له من المؤلفات في الفقه الا كتابا في القطاع لم ينشر إلى حد الان. ولكنه عرف بتاليفه في التاريخ حيث ان له معجما كبيرا اسماه «الاعلام بمن حل مراكش واغمات من الاعلام» وقد كتبنا عنه هذه مدة من ربع قرن عندما نشر اول جزء منه وناسف كل الاسف لكونه لم يتم نشره اذ لم يطبع منه الا خمسة اجزاء وبقيت الخمسة الاجزاء الاخيرة مخطوطة.

وهذا الكتاب معجم تراجم اكثر منه كتاب تاريخ، غير انه يضطر للالمام بما يعرض له من الحوادث التاريخية في غضون كلامه عن المترجمين، وهم من جميع الطبقات ما بين مغاربة المولد واندلسيين او غيرهم من الافارقة الواردين على المغرب: فهم علماء وكتاب وشعراء وملوك ووزراء وقواد وقضاة ورجال تصوف وصلاح. وبلغت تراجمه على ما تظن نحوا من الف وخمسمائة ترجمة اخرها ترجمة الباشا والوزير الاسبق المدني الكلاوي.

والفضل الاول لهذا الكتاب هو في جمع تلك التراجم وحشد جميع ما قيل عن اصحابها في كل كتاب مطبوع او مخطوط وقف عليه المؤلف، وهو شيء كثير، ولو تضاريت تلك الاقوال والنقول وتعارضت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥٢٠