من الحوادث والأخبار والمواقف، إلا ما يناسب المقام من مفاخر وأمجاد.
والكتاب الذي يؤلف لمقاومة الدول الغاشمة، أو لبيان فضائح الولاة المعتدين والطغاة المتجبرين، والظلمة المغتصبين، أو لمقاومة المبادئ الهدامة والمذاهب والأنظمة الضارة، أو لمحاربة الظلم الاستعماري الغاشم أو الاستغلال الإقطاعي الممقوت، من شانه أن يحتوي على تشويه أعمال الظالمين والمعتدين وهدمها بالحق بل وحتى بغيره - أن اضطر لذلك - وان كان الحق غنيا بنفسه.
أما التاريخ الحقيقي الذي يكتب للاعتبار، ويسجل مختلف الحوادث والأخبار، فينبغي أن يكون كالمرآة أو كالآلة المصورة التي تبثت الأشياء كما هي، والمؤرخ الصادق، والكاتب الحر، هو الذي يثبت الحوادث كما رقعت ويصف الأشخاص والأشياء بأوصافها الحقيقية بدون مبالغة ولا بخس، فبذلك يعرف مقام المصلحين وفضل المحسنين وكفاح العاملين وجهود المخلصين، كما يعرف أيضا جبروت الظالمين وطغيان المتعدين، وضلال المفترين، وإهمال المقصرين
ومعرفة الحقائق والنتائج هي التي تقف في وجه من تحدثه نفسه بالغرور، وهي التي تعظ من يريد الانعاظ، وهي التي تدعو لشكر الذين أحسنوا وقاموا بواجباتهم، كما تدفع لنقد الذين اساؤوا ولم يهتموا إلا بمصالحهم وشهواتهم، وإعلان الحقائق ونتائجها هو الذي يدعو عددا من الناس للقيام بأعمال البر، والابتعاد عن طريق الشر وموجبات النقد، وفي ذلك صلاح الأمة وإكثار للخير وإقلال للشرور والآفات.
لقد كان بعض الخيرة من أصدقائي يمدحون بعض الناس بما لم يفعلوا لعلهم يعملون، ويصفونهم بأوصاف لاحظ لهم فيها لعلهم يهتدون «ومن الناس من يسرهم أن يحمدوا بما يفعلون وما لا يفعلون» فكنت أقول لأولئك الأصدقاء أن عملهم جناية على مصالح الأمة التي اعتقد أنهم يعملون لها بإخلاص، لان مدح الشخص بعمل صالح لم يقم به قد يكون سببا في عدم قيامه بذلك العمل في المستقبل فهو يقول - والإخلاص في الدنيا غير كثير - أي فائدة المنصب والتضحية ما دامت الأعمال الصالحة تنسب إلى وان لم اعملها، والسن الناس لاهجة بالثناء على بأوصاف ولو لم اتصف بها، وهكذا تضيع الحقائق أيضا، وهكذا تهمل المصالح العامة أما بالتملق والطمع، وأما بالخوف وبالإعراض المختلفة، وفي ذلك كله جناية على الأمة وتضييع لحقوقها.
ان الأشخاص يذهبون، اما الأعمال فتبقى، وان الإعراض والإغراض تغنى، اما الحقيقة فهي باقية خالدة، ولكن هل بلغ الناس درجة قبول الحقائق المجردة؟ وهل في الامكان ان يسير كتاب التاريخ على وتيرة واحدة؟ لعل الذي يحاول ان يرغم الناس أجمعين لأعلى طريقة خاصة، او يسيرهم في اتجاه واحد، انما يتيه في صحراء الخيال اذ رضا جميع الناس غاية لا تنال.
وقديما حاول المؤرخ الكبير العلامة ابن خلدون، وضع قواعد واصول لكتابة التاريخ ولكن هل وقف هو نفسه مع تلك القواعد والأصول حينما اخذ في كتابة تاريخه «العبر» انه ان كان قد ذكرها حبنا فانه نسيها او تناساها احيانا - والحال هو الحال فبمن أتى بعد ابن خلدون، ولعل الحال هو نفس الحال في مؤرخي عصرنا هذا وفيما ياتي بعده من عصور إلى ما شاء الله.
ولعل من النادر بل من الصعب ان يستطيع المؤرخ أو الكاتب ان يتجرد عن جميع الميول والاعتبارات، ويكتب الحقائق مجردة غير متأثر بما يشعر به من حب وحنان، واعتبار وإعجاب، او بغض واشمئزاز، واحتقار وإهمال.
ولعل حياة الأمم والشعوب لنما هي كالروايات السينمائية تتنوع موضوعاتها ومغازيها، ولعل التواريخ كالأفلام تختلف مناظرها وتأثيراتها، ولعل المؤرخ كالمخرج لابد ان يتأثر بنفسيته وبثقافته وبالوسط الذي عاش او يعيش فيه، ولعل قراء التاريخ كرواد السينما منهم من يتاثر ويتعظ، ومنهم من يضحك او يسخر او يلهو، ومنهم المفكر المعتبر المستفيد، ومنهم العبث الذي لا هو في العبر ولا في النفير، وإذا كان بقر الله في ارض الله كثيرا وكانت لكل ساقطة لاقطة، فان في الدنيا حكمة وعقلا، وذكاء ونبلا، وجواهر تستحق نحور الحور، في اعالي القصور، والله فضل بعضكم على بعض، وانما الاعمال في النيات ... وصدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم. والله سبحانه هو المستعان.