تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كان جاهلا فليسئل أهل الذكر والعالمين.

وكنت اسمع أشخاصا ينتقدون على كتاب «الاستقصا» لأبي العباس الناصري، اقتصاره على نواح دون أخرى ويقولون في مؤلفه الكبير انه حاطب لبل، وربما لوردت كل فقرة فيه إلى الكتاب الأصلي الذي نقلت منه لما بقي لمؤلفه شيء يذكر. فكنت استغرب كيف يسوغ لمواطن مغربي أن ينكر فضا أعظم وأحسن واجمع كتاب ألف في تاريخ وطنه، ذلك الكتاب الذي لو يعرف جل علماء هذا القرن في العالم تاريخ المغرب إلا منه. فهل كان في الإمكان أن يجمع المؤلف الواحد كل شيء؟ وهل العالم أو الأديب الذي لم يحط بكل شيء علما يجب عليه أن لا يكتب ولا يؤلف ليلا يقال، أن إنتاجه ناقص، وهل ينتظر الكمال إلا من الله سبحانه؟

أما صديقنا العلامة العباس بن إبراهيم قاضي مراكش حفظه الله فانه لم يعدم من ينتقد عليه اقتصاره في كتابه «الإعلام» على تراجم الرجال، ولكن أليست تلك التراجم مشحونة بالعلم والأدب والتاريخ والسير والموعظ والعبر؟ وهل ألف في المغرب العربي كله احد غير ابن زيدان وابن إبراهيم كتابا يحتوي على نحو عشر مجلدات ضخام في تراجم في تراجم رجال مدينة واحدة؟

الحق أن الناصري السلوي مؤلف «الاستقصا» (2) والرهوني التطواني مؤلف «عمدة الراوين (3) وابن زيدان المكناسي مؤلف «الإتحاف» (4) وابن إبراهيم المراكشي مؤلف «الإعلام» (5) كلهم من أفذاذ علماء الأمة المغربية الذين يستحقون كل إجلال وإعظام، أن بقى في الدنيا فضل وإنصاف.

على أن أسماء هؤلاء النبغاء ومؤلفاتهم خالدة وان وجه لها من الانتقادات ما وجه، وان اختلاف أساليبها إنما هو صورة لاختلاف صور الأفراد والثقافات والأنظار والاتجاهات.

والرأي والله اعلم، أن كتابة التاريخ ينبغي أن تختلف باختلاف الأحوال فالمؤرخ لأجل الأغراض الخاصة وللدعاية، له أن يراعي المبدأ الذي ألف لأجله فيرفع ما يشاء ويضع ما يريد، ويذكر ما يرضاه أو يرضيه، ويغفل ما لا يوافق مبدأه ومراده، ويشيد بذكر ما يؤيد رأيه ومذهبه، ويحط من قيمة كل ما يخالف ذلك ...

فالتاريخ الموجه الذي يؤلف مثلا لتلاميذ المدارس الوطنية أو لبث الروح القومية في الأمة، أو لنحو ذلك من الإعراض النبيلة، يجب أن لا يثبت فيه

(2) كتاب «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» للعلامة المطلع أبي العباس احمد بن خالد الناصري السلاوي «من مدينة سلا» وقد طبع بمصر عام 1312 في أربعة أجزاء متوسطة الحجم في حياة المؤلف المتوفى عام 1315 ومولده عام 1250 ثم طبع بمدينة الدار البيضاء في تسعة أجزاء سنة 1954 - 1956 وهو أوسع ما عرفناه حتى الآن من الكتب المؤلفة في تاريخ دول المغرب.

(3) كتاب «عمدة الراوين في تاريخ تطاوين» لأبي العباس احمد الرهوني التطواني «من مدينة تطوان يقع في عشرة أجزاء متوسطة الحجم. وقد وصف وصفا دقيقا في الفصل الأول من هذا الكتاب. وهو مخطوط إلى الآن لم يطبع منه شيء، ويا حبذا لو طبع فيستفيد مكنه كثير من الناس.

(4) هو كتاب «إتحاف إعلام الناس، بجمال أخبار حاضرة مكناس» لأبي زيد عبد الرحمن ابن زيدان العلوي المكناسي «من مدينة مكناس» طبعت منه في حياة مؤلفه خمس مجلدات كبار بمدينة الرباط، فيما بين سنتي 1347? 1929م. و 1352? 1933م. وأخبرت أن الباقي منه بدون طبع ما يقرب من لك. وهو مؤلف جليل في تراجم رجال مكناس، ولكن به من المعلومات التاريخية والأدبية عن المغرب وتاريخه ورجاله وملوكه ما لا يوجد في غيره.

(5) كتاب «الإعلام، بمن حل مراكش واغمات من الإعلام» للقاضي العباس بن إبراهيم المراكشي «من مدينة مراكش» يقع في نحو عشر مجلدات كبار، طبع منه مؤلفه خمس مجلدات بمدينة فاس فيما بين سنتي 1355? 1936م. 1358? 1939م والقسم الباقي منه مخطوطا، ربما كان أكثر من القسم المطبوع، وقد وقفت عليه وتصفحته لدى مؤلفه بمراكش. وهو كتاب جليل في تراجم رجال مراكش وغيرهم من إعلام المغرب. وقد جمع فيه مؤلفه من الفوائد والأخبار ما تفرق في غيره.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٥١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٥١٨