أعماله ومواقفه، وأقلاما حادة تسجل ذلك وتخلده في بطون التاريخ ليقراها الأولاد والأحفاد وتسير بها الركبان في مختلف الأقطار. وذاك كاتب مداح أو هجاء يخدم مصالح شخصية له أو غيره لا يبالي بالحقيقة ولا يهمه أنصاف، وإنما يمدح أو بذم بالحق والباطل وبالواقع وبالمختلق (1).
وكم من كاتب أو شاعر أو مؤرخ باع ضميره وقلمه وخان الأمانة، وضل في نفسه وأضل معه الناس لأجل دراهم معدودة فبضها، أو وظيفة زائلة قلدها. أو لرغبة أو رهبة تزول بزوال أسبابها وتنتهي عوارضها طال الزمن أم قصر.
والكتاب والمؤرخون الذين من هذا القبيل وذاك قد وجدوا في العهد القديم وهم موجودون الآن وسيبقون في الوجود، ما دام الإنسان وأخلاق الإنسان.
الشرف، والنزهة، علو الهمة، والعلم الغزير، والعقل الراجح، والاتزان المعقول، ونبذ الخوف والطمع، هذه صفات لا تسمح لصاحبها بغير الحق والعدل والإنصاف.
أما الأمل والطمع، والخوف والهلع، والطغيان والجبروت، وصفافة الوجه وخراب الذمة، فإنها أوصاف تدعو بعض الناس لقلب الحقائق واختلاق الحوادث والإغضاء عن الزلات، ومداراة الذين يخاف منهم أو يخشى أنصارهم، ثم إنكار حسنات الأضداد وفضائل المعارضين، فهذا فلان بيده السلطة أو له جاه، يخشى من غضبه أو أعراضه إذا قيل كذا، أو كتب كذا، وذاك فلان عدو فلان أو كان عدوا لآبائه أو أجداده ويسوءه أن يسمع كلمة حق أو أنصاف في خصمه أو خصم أهله أو مواطنيه، وهذا صديقنا فلان لا يناسب أن نقول في سلفه كذا، أو هؤلاء قومنا لا ينبغي أن نذكر شيئا من نقائصهم أو هذه بلادنا لا يليق أن نصفها هي أو أهلها بكذا ليلا يستغل ذلك خصومنا الخ. هكذا نضيع الحقائق وتنقلب الأمور في كثير من الأحوال ومن كثير من الناس.
عن بعض مؤرخي المغرب في عصرنا
لقد سمعت مرارا عديدة من بعض أصدقائي، وهم من ذوي المقامات المحترمة، أن العلامة المؤرخ المرحوم مولاي عبد الرحمن ابن زيدان، قد أساء إلى المغرب وإلى بعض الناس في تاريخه «الإتحاف» وانه كشف الأسرار وفضح العورات، وليته حذف، وليته اثبت وليته وليته ...
أما أنا فكنت وما زلت أرى أن ابن زيدان رحمه الله لم يسئ لا إلى المغرب ولا إي التاريخ وإنما قام بواجب يستحق أن يشكر عليه، وكنت استغرب صدور مثل ذلك القول ممن كنت اعرف فيهم العقل والعلم، والذكاء والفهم، ولكنني حينما أفكر في الموضوع، وفي سبب مثل ذلك القول، اصل في النهاية إلى أن الشخص إذا كان بنظر بعين الرضي لبعض الجهات، فانه لا يقدر على أن يسمع عنها غير الثناء، وإذا كان متصلا بالطبقة التي لا تهمها الحقائق بقدر ما يهمها المديح والإطراء، فان أثقل شيء على سمعه هو ذكر الحقائق المجردة، وإذا قلت لهذا الصنف من الناس، وأين الحق والإنصاف والأمانة، قال لك، لك شان البسطاء والأغنياء
لقد سمعت أيضا غير ما مرة بعض رفقائي الذين اعتقد أنهم بعيدون عن الأغراض والشهوات، ينتقدون على أستاذنا الرهوني رحمه الله، إثباته في تاريخه الكبير لأشياء بعدونها من الخرافيات التي لا تناسب العصر، فكنت أقول لهم، أليس في الدنيا أناس يعتقدون أن ما تسميه أنت خرافات، هو عين الحقائق وطريق الهدى وسبيل السلامة والنجاة؟ أن هذه الطبقة من الناس موجودة حقا، وان من الأمانة للتاريخ والحقيقة، وان تسجل أقوالها واعتقاداتها بما لها وما عليها ثم ما على قارئ التاريخ إلا أن يقبل ما يراه حقا وصوابا، ويرفض ما يرى انه خطا أو باطل.
(1) لو تحرى المؤرخ غاية التحري فانه لابد أن يتأثر بمؤثرات قد لا يشعر بها، لكن الملام لنما هو على خطة منافقة تشم منها رائحة الأغراض السخفة، أما التاريخ الممحص فانه يوخذ الحق في أو ما أشبه أن يكون حقا من دراسة الميولات المتنوعة، فمن بينها كلها تتمحض فكرة يكونها الدارس المستقل الفكر، لا تبعد كثيرا عن الواقع، وإذا وجد الشجاعة على التعبير بكل ما يحسه ويعتقده فقد أدى الأمانة كاملة ولا يضره نواحي النقصان فليس بمطلوب منه ن لا يخطئ وإنما المطلوب منه أن لا يتعمد الخطأ. ت. و.