منهاج هذا الكتاب
ولعل من المناسب أن آتي هنا بفذلكة عن المنهاج الذي سلكته في ترتيب هذا الكتاب ليكون قارئه على بيته من أمره، ويعدل عن قراءته من كانت موضوعاته لا تهمه، أو طريقته لا ترضيه، لقد سلكت فيه طريقة خاصة لا ادعي أنها أفضل من غيرها وإنما هي طريقة ارتضيتها فسلكتها، ذلك أنني جعلت القرن الواحد «اعني مائة سنة» وحدة مستقلة متماسكة، فجمعت أخبار كل قرن في باب واحد تحته عدة فصول بحيث إذا قرأ الشخص ذلك الباب بمختلف فصوله، عرف تاريخ هذه المدينة من جميع نواحيه في ذلك القرن، فمثلا القرن العاشر الهجري، قد عقدت له بابا فيه خمسة فصول.
الأول في ولاة هذه المدينة وحوادنها العامة في ذلك القرن
الثاني في قضاتها وعدولها كذلك
الثالث في تراجم رجالها كذلك
الرابع في مشاهير الزائرين لها
الخامس مخلص عن حياتها في ذلك القرن من النواحي السياسية والعلمية والأدبية والاجتماعية.
ثم عقدت بابا آخر للقرن الحادي عشر وفيه ستة فصول ثم بابا آخر للقرن الثاني عشر وفيه خمسة فصول الخ.
وبهذه الطريقة بسهل الأمر حتى على من يريد مثلا أن يقتصر على معرفة ولأيها وحوادثها العامة في مختلف العصور، إذ يجد مراده في الفصول المعقودة لذلك من كل باب، والذي تهمه معرفة قضاتها فقط يجد أسماءهم وتواريخهم وأخبارهم في الفصول المعقودة لذلك من كل باب أيضا. وهكذا شان من لا تهمه إلا معرفة تراجم رجالها فقط الخ.
وقد جمعت ما وقفت عليه من المعلومات عن هذه المدينة وسكانها في حياتها الأولى -أي ما قبل القرن العاشر الهجري -وهي معلومات قليلة مختصرة جدا، ثم تكلمت بإسهاب على بنائها الحديث، وعلى عمارتها من جديد ثم على حياتها الثانية من أواخر القرن التاسع الهجري إلى قرننا هذا.
وقد كان اشتغالي بتأليف هذا الكتاب -كله من أوله إلى آخره- في بضع عشرة سنة مضت، أي في عهد كان وطني المغربي فيه مقسما بين دولتين أجنبيتين كانت أحداهما تحمي جنوبه الذي هو القسم الأكبر الأهم، وكانت الأخرى تحمي شماله الذي به تقع مدينة تطوان.
وكانت الصفة الدولية الرسمية لتينك الدولتين ببلادنا هي الحماية «المفروضة» إلا أن الواقع إنهما كانتا تسيطران على البلاد وجميع ما فيها وكل من بها، سيطرة تامة لم يبق معها لدولة المغرب والشعب المغربي شيء من التصرف أو النفوذ -لقد كان الحكم بالمغرب- في الحقيقة حكما استعماريا تراعى فيه مصالح الأجانب قبل كل شيء.
وقد مرت على البلاد أوقات كانت عسيرة غير يسيرة، ظلت الحرب قائمة بها سنين عديدة، ثم استنب الأمن ولكن الحريات كانت مفقودة، واتسعت المعلومات، ولكن الألسن أصبحت معقودة، ثم تلا ذلك عهد صارت فيه السجون والمنافي مملوءة والأوساط والأجواء موبوءة، وأيدي الظلمة وأذنابهم قوية، ومواهب أصحاب العلم والحق والعدل منزوية، وفي ذلك العهد وصلت في الكلام عن تاريخ تطوان، إلى تاريخ دخول الاسبانيين لها، وبسط حمايتهم عليها - أي عام 1331? 1913م فأوقفت الكلام هناك أي عند احتجاب عهد الوحدة والاستقلال، وانزواء الحكم الوطني في غفوة، إلا أنها غفوة عملنا بإعانة الله القوي القادر لانتهاء مدتها، واسترجاع السيادة الوطنية كاملة لتعيش امتنا الكريمة من جديد في ظل لواء العروبة تحت راية الإسلام، فحقق الله آمالنا، وأعاد لنا حريتنا واستقلالنا، ووحدة ترابنا، وجمع شملنا، وأصبحت تطوان- كما كانت مثل بقية الشمال المغربي- جزءا من المغرب المستقل الموحد، لا فرق بين شرقه وغربه، شماله وجنوبه.
واني أرجو الله تعالى أن يهيئ لي الأسباب ويحفظني من الموانع لاستأنف عملي وأتابع كتابتي حتى اصل في تاريخ هذه المدينة إلى عهدنا هذا بحول الله.
وكنت قد قررت أن اجعل لهذا الكتاب «ذيلا» حددت له موضوعات خاصة اعرف أنها لدى بعض الناس، أهم من موضوعات الأصل التي هي تواريخ الولاة والحوادث وتراجم الرجال الخ.